ترحيل الراهب أركاديوس يُفجّر غضباً فلسطينياً ضد البطريرك والسلطة

الخميس 7 يناير 2016
أخر تحديث : الخميس 7 يناير 2016 - 12:25 مساءً
ترحيل الراهب أركاديوس يُفجّر غضباً فلسطينياً ضد البطريرك والسلطة

بدت مقاطعة البطريرك ثيوفيليوس الثالث، والمطالبة بعزله عشية عيد الميلاد عند الطوائف الشرقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الطلب الأبرز لآلاف المسيحيين الأرثوذكس في الأراضي الفلسطينية المحتلة. حتى أن ساحة كنيسة المهد في بيت لحم، جنوبي القدس المحتلة، في الضفة الغربية المحتلة، خَلَت عند حضور البطريرك، أمس الأربعاء، من الجماهير، واقتصر الاستقبال على الشخصيات الرسمية التي تمثل السلطة الوطنية الفلسطينية. وشهد ميلاد هذا العام توتراً ومقاطعة للبطريرك، الذي أبعد الراهب أركاديوس عن الأراضي الفلسطينية، بعد أن تصدّى له، رافضاً بيع أملاك تابعة للوقف في فلسطين.

يُذكّر رئيس الجمعية الأرثوذكسية في بيت لحم، عزمي جحا، لـ”العربي الجديد”، أن “لدينا أسباباً كثيرة لمقاطعة البطريرك، تبدأ من عدم تعاونه مع الطائفة الأرثوذكسية وبيع أراضي الوقف المسيحي إلى الاحتلال أو تأجيرها لسنوات طويلة، لكن في هذا العيد لدينا سبب إضافي، شكّل القشة التي قصمت ظهر البعير، عبر طرده الراهب أركاديوس. ويُعتبر هذا الطرد فرصة كبيرة لنا للتحرك على نطاق واسع ومقاطعة البطريرك”.

أما عضو بلدية بيت لحم أنطون سلمان، فيكشف في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “جميع أعضاء المجلس البلدي الـ14 نفّذوا قرار مقاطعة موكب البطريرك، فضلاً عن الكشافة والفعاليات الوطنية، وبقي في استقباله مسؤولو السلطة الفلسطينية فقط”.

وتبدو قصة طرد الراهب أركاديوس، الذي تصدّى للبطريرك ثيوفيليوس، الذي باع أراضٍ تابعة للوقف المسيحي في كنيسة مار سابا في بلدة بيت ساحور، وكيفية ردّ البطريرك بتدبير طرد الراهب من الأراضي الفلسطينية قسراً، القصة الوحيدة التي شغلت بال المسيحيين الأرثوذكس في عيد الميلاد أمس.

ويوضح المحامي جورج حنانيا، وكيل الراهب أركاديوس، ملابسات اعتقال الأخير وطرده خارج البلاد عبر الشرطة الفلسطينية، التي قامت بتسليمه للاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم سجنه وترحيله إلى بلده الأم قبرص، نهاية الشهر الماضي.

ويشير حنانيا، في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، إلى أن “الراهب أركاديوس علم أن البطريرك قام ببيع جزء من أراضي دير مار سابا إلى رجل أعمال، وعندما واجه البطريرك قبل أشهر نفى ذلك، فواجهه في المرة الثانية أمام المجمع المقدّس، الذي يضمّ 17 راهباً، وهم أدنى هيكلياً برتبة واحدة من البطريرك، حينها غضب الأخير، وقال لأركاديوس: إذا أردت أن تتحدث معي، خاطبني بكتاب عبر المجمع المقدس”.

ويتابع حنانيا: “على مدار الأشهر الماضية، بقي الراهب يمنع رجل الأعمال الذي اشترى الأرض من دخولها، وفي يوم 27 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ذهب الراهب للصلاة في كنيسة الآباء والأجداد، في بيت ساحور، فألقت الشرطة الفلسطينية القبض عليه وتم تحويله إلى النيابة العامة، بعد توجيه تهمتين له: الأولى تهديد البطريرك والثانية حمل سلاح أبيض”. ويضيف: “في اليوم التالي وبعد تحويله للنيابة، قامت الأخيرة بحفظ الملف، وأعطت الراهب أمراً بالإفراج عنه، أي أنه لا توجد قضية أو تهمة، ولا توجد شكوى بالأساس، ما يعني بأن الشرطة قامت بإجراء غير قانوني”. ووفقاً لحنانيا، “فإن الشرطة الفلسطينية رفضت الامتثال لأوامر النيابة والإفراج عن الراهب، وبقيت تماطل في الحديث مع المحامي حتى المساء، قبل أن تسلّم الراهب إلى البطريركية”.

ويؤكد أن “الشرطة الفلسطينية قامت بخرق قانوني، بإصرارها على الاحتفاظ بالراهب، وأخفت المعلومات حول مصيره، بعد قيامها بترحيله إلى سلطات الاحتلال، التي أرسلته إلى دائرة الهجرة، ومن ثم إلى سجن الرملة ليوم واحد، أمضاه مع المجرمين، وبعد ذلك تم ترحيله إلى قبرص”.

اقرأ أيضاً: مسيحيو غزة.. لا أعياد لهم هذا العام

لكن الشرطة الفلسطينية تنفي ذلك، ويؤكد المتحدث باسمها المقدم لؤي ارزيقات، لـ”العربي الجديد”، أنه “تمّ تسليم الراهب أركاديوس إلى البطريركية في 28 ديسمبر، وليس لدينا أي علاقة مع الاحتلال الإسرائيلي كشرطة لنقوم بتسليمه، فعلاقتنا مع الاحتلال تمرّ من خلال الارتباط العسكري فقط. ولو أردنا تسليمه لقمنا بذلك عبر الارتباط، لكننا لم نفعل”. ويتابع: “تمّ تنبيه الراهب أركاديوس بعدم تهديد البطريرك أكثر من مرة، بناءً على الشكاوى التي كانت تردنا”.

لكن الراهب أركاديوس الموجود حالياً في قبرص، ينفي لـ”العربي الجديد”، رواية الشرطة الفلسطينية، مؤكداً أنها “سلّمته إلى الأمن الإسرائيلي رغماً عنه”. ويكشف أن “الشرطة الفلسطينية قامت بأخذي بسيارة الشرطة من الحجز الفلسطيني باتجاه النقطة العسكرية الإسرائيلية في جيلو، إلى شارع الارتباط المعروف بدي سي أو، وهناك كانت تتواجد سيارة عسكرية إسرائيلية فيها بين ثلاثة إلى أربعة جنود مسلحين، وقامت الشرطة الفلسطينية بتسليمي لهم”. ويضيف أنه “طوال الطريق كنت أسال الشرطة الفلسطينية إلى أين تأخذوني، لكنهم رفضوا الإجابة، ولم يطلعوني على أي ورقة أو كتاب بخصوص نقلي”.

ويلفت الراهب إلى أن “السيارة الإسرائيلية أخذتني إلى دائرة الهجرة، التي أخبرتني أن سبب وجودي هو أن البطريرك أوقف تأشيرة الدخول الخاصة بي، بسبب مشاكلي معه ويجب ترحيلي إلى قبرص بسبب ذلك. بعدها تم أخذي إلى سجن إسرائيلي قريب من المطار، وتم ترحيلي بعد يوم واحد”.

ويتابع: “دائماً كنت أسمع عن صفقات بملايين الدولارات يقوم بها البطريرك، جراء بيع وتأجير أملاك الوقف المسيحي الأرثوذكسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكنني لم أكن أملك دليلاً على ذلك. غير أنه بعد قيامه ببيع جزء من أراضي دير مار سابا، وهو الدير الذي أشرف عليه منذ 15 عاماً، وواجهته بما فعل، بدأت المشاكل معه”. وينوّه إلى أن “لا أحد من المجمع المقدس الذي يضم 17 راهباً، يعلم أين يذهب البطريرك بملايين الدولارات، في مقابل بيع وتأجير أملاك وأراضي الوقف المسيحي في الأراضي الفلسطينية المحتلة”.

وعلمت “العربي الجديد” أن “البطريرك ثيوفيليوس الثالث قرر قبل يومين عقاب الراهب أركاديوس بخلع الرداء الكهنوتي عنه، لكن المجمع المقدس رفض ذلك، محاولاً إقناعه بشطب اسم الراهب من بطريركية أورشليم (القدس) فقط. غير أن البطريرك لم يكتفِ بذلك بل قام بوضع اسم الراهب أركاديوس على اللائحة السوداء، ما يعني عدم دخوله الأراضي الفلسطينية مرة ثانية”. من جهته، رفض المتحدث باسم البطريركية الأرثوذكسية في الأراضي الفلسطينية، عيسى مصلح، الحديث، معتبراً لـ”العربي الجديد”، أنه “لا تعليق من البطريركية حول الموضوع”.

ويرى مدير “الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان” في جنوب الضفة الغربية، فريد الأطرش، لـ”العربي الجديد”، أن “ما جرى هو انتهاك للقانون وحقوق الإنسان، بداية من عدم تنفيذ قرار النيابة بالإفراج عن الراهب، ثمّ من ناحية تسليمه للاحتلال. وهذه سابقة يجب التحقيق فيها إذا ما تم ثبوتها”.

المصدر : العربي الجديد

رابط مختصر