أزمة زيوت المحركات في غزة: تهديد بانهيار شامل للقطاعات الحيوية والمخابز والمستشفيات

1 أبريل 2026آخر تحديث :
أزمة زيوت المحركات في غزة: تهديد بانهيار شامل للقطاعات الحيوية والمخابز والمستشفيات

تواجه القطاعات الحيوية في قطاع غزة أزمة غير مسبوقة تهدد بتوقفها الكامل، حيث برز شح زيوت المحركات ونفاد قطع الغيار كعائق رئيسي يفوق في خطورته نقص الوقود. وتعيش المرافق الخدمية، وفي مقدمتها محطات تحلية المياه، حالة من المقامرة اليومية للاستمرار في العمل تحت ضغوط تقنية هائلة.

منذ بدء العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر 2023، فرضت سلطات الاحتلال قيوداً صارمة منعت بموجبها دخول الزيوت الصناعية والمعدات اللازمة للصيانة. هذا الحصار التقني أدى إلى شلل تدريجي في منظومات المياه والصرف الصحي، بالإضافة إلى تأثر قطاع النقل والمواصلات بشكل مباشر.

شهدت الأسواق المحلية ارتفاعاً فلكياً في أسعار الزيوت الصناعية، حيث قفز سعر اللتر الواحد من 50 شيكلاً قبل الحرب ليصل إلى نحو 800 شيكل حالياً. هذا الغلاء الفاحش جعل من عمليات الصيانة الدورية عبئاً مالياً تعجز عن تحمله المؤسسات الخدمية والمشاريع الصغيرة على حد سواء.

في محطة ‘عبد السلام ياسين’ لتحلية المياه، انخفضت كميات الإنتاج بنسبة تصل إلى 40% بعد خروج أحد المولدات الرئيسية عن الخدمة. وتضطر الأطقم الفنية لتشغيل المولد المتبقي بحدود دنيا من الصيانة، مما يهدد بتوقفه نهائياً وانقطاع شريان الحياة عن آلاف العائلات.

أفادت مصادر محلية بأن أزمة الزيوت امتدت لتطال شاحنات توزيع المياه، حيث تم إيقاف عدد كبير منها خشية وقوع أعطال ميكانيكية يستحيل إصلاحها. هذا العجز خلق حلقة مفرغة، فالمياه التي يتم إنتاجها بصعوبة لا تجد الوسائل الكافية لإيصالها إلى مراكز التجمع والنازحين.

من جانبه، حذر رئيس جمعية أصحاب المخابز، عبد الناصر العجرمي، من أن رغيف الخبز بات في مرمى الخطر نتيجة الاعتماد الكلي على المولدات الكهربائية. وأكد العجرمي أن المخابز قد تتوقف قسرياً خلال شهر واحد إذا لم يتم السماح بدخول الزيوت الصناعية اللازمة لتشغيل خطوط الإنتاج.

تعاني المخابز من تآكل قدرتها التشغيلية، حيث يضطر المخبز الواحد لتشغيل عدة مولدات لساعات طويلة دون صيانة دورية. ومع غياب قطع الغيار، أصبح أي خلل فني بسيط كفيلاً بإخراج المخبز عن الخدمة بشكل نهائي، مما يفاقم من أزمة انعدام الأمن الغذائي في القطاع.

قد نتوقف اليوم ليس بسبب القصف أو انعدام الوقود، بل لأن ما يحفظ حياة المحرك لم يعد متوفراً.
على الصعيد الصحي، أطلق المكتب الإعلامي الحكومي تحذيرات من وصول مولدات المستشفيات إلى حافة الانهيار. وأوضح المسؤولون أن تعطل هذه المولدات يعني توقفاً فورياً لأجهزة العناية المركزة وغرف العمليات وأقسام غسيل الكلى، مما يضع حياة آلاف المرضى والجرحى على المحك.

مصلحة مياه بلديات الساحل أكدت من جهتها أن البنية التحتية للمياه تعمل منذ انقطاع الكهرباء العام الماضي بالاعتماد الحصري على المولدات. وأشارت المصلحة إلى أن هذه المولدات تعرضت لاستخدام مكثف يفوق طاقتها، وأن استمرار نقص الزيوت يضع المنظومة المائية برمتها أمام خطر الانهيار التدريجي.

لجأ أصحاب المولدات والشركات الخاصة إلى حلول ‘ترقيعية’ قاسية، شملت تفكيك المولدات المتعطلة لاستخدام قطعها في إصلاح الماكينات العاملة. كما يتم أحياناً استخدام زيوت محروقة أو مستهلكة جزئياً كبديل مؤقت، رغم الإدراك التام بأن هذه الخطوات قد تؤدي إلى تلف المحركات بشكل كامل.

في قطاع توليد الكهرباء الخاص، أصبحت تكلفة صيانة مولد واحد بقدرة 250 كيلوواط تصل إلى 24 ألف شيكل كل 20 يوماً. هذه التكاليف الباهظة دفعت العديد من الشركات إلى تقليص ساعات التشغيل أو التوقف عن العمل، مما زاد من عتمة الحياة اليومية للسكان الذين يعتمدون على هذه الاشتراكات.

تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار منع دخول هذه المواد الأساسية إلى توقف شامل لكافة المحركات في قطاع غزة. ويرى مراقبون أن هذا النوع من الحصار يستهدف شل القدرة على الصمود من خلال تدمير البنية التحتية المتبقية التي تعتمد على الميكانيكا والاحتراق الداخلي.

أفادت مصادر ميدانية بأن غياب البدائل التقنية يجعل من التدخل الدولي العاجل ضرورة قصوى لفتح المعابر أمام الإمدادات الصناعية. وبدون استجابة سريعة، فإن القطاع يتجه نحو كارثة إنسانية مضاعفة تشمل انقطاع المياه وتوقف المستشفيات والمخابز في آن واحد.

يبقى المشهد في غزة معلقاً بين محاولات الابتكار المحلية للبقاء وبين واقع تقني مرير يفرضه الحصار المشدد. ومع كل ساعة تشغيل إضافية للمولدات المتهالكة، تقترب غزة أكثر من لحظة السكون التام التي قد تعني توقف النبض في مرافقها الحيوية المتبقية.