Categories
زاوية المقالات

يا عمّال العالم لا تتحدوا… ضدّنا!

جرت على يوم العمال العالمي، الذي يوافق اليوم (1 أيار/مايو) من كل عام، ما يجري على كلّ شيء في العالم، بشراً وطبيعة، من تغيّر، فقد بدأ هذا اليوم حياته، بقرار مما يسمى الأممية الاشتراكية الثانية عام 1889، من عيد للربيع يحتفل به الناس جميعاً في أوروبا، إلى يوم للتعبير عن غضب طبقة العمال من اضطهادها وقمعها واستغلالها، والاحتفاء بنضالاتها، وكمناسبة للاحتجاج السياسي، وارتبط بعد الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 بنفوذ ما سمّي الاتحاد السوفييتي (ولاحقاً بمنظومة الدول الاشتراكية) داخل الأحزاب الشيوعية في العالم، والبلدان التي تدور في فلكه.
اشتغلت القوى الدولية آنذاك، وإلى حدّ كبير، على تجيير كفاحات العمّال لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ضمن صراع دولي طاحن لا علاقة مباشرة وحقيقية له بمصالح العمال وتمكينهم والدفاع عنهم، فحقوق العمّال الأوروبيين السياسية، في البلدان الرأسمالية (وهي أسّ الحقوق الأخرى)، وكذلك حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، كانت أكثر اكتمالاً وتطوّراً وأخلاقية بمراحل، من حقوق زملائهم العمال في بلدان أحزاب العمّال والفلاحين المزعومة في روسيا والصين وكوريا الشمالية وألمانيا الشرقية وغيرها.
أدى سقوط منظومة الاتحاد السوفييتي و»المعسكر الشرقيّ» إلى انكسار كبير للأحزاب الشيوعية كشف ركاكة علاقتها الافتراضية بالعمّال، كما أدّى إلى هزّة سياسية كبرى لأحزاب اليسار عموماً التي تشظّت وتحوّلت إلى حركات دفاعية تعرّف عن نفسها سلباً: بمعاداة الرأسمالية، أو الدفاع عن الأرض، مما ترك التجمّعات العمالية، كالنقابات والاتحادات، أمام خيار النضال الاقتصادي من دون مظلّة سياسية أو أيديولوجية قادرة على رفعه من قيمته المطلبية ليصبح برنامجاً سياسياً شاملاً، ومهّد ذلك إلى انفراط الشعار الماركسي الشهير «يا عمّال العالم اتحدوا»، بعد أن أصبح العمّال، عملياً، الخزّان البشري لليمين المتطرّف، ولحركات معاداة المهاجرين، في أوروبا، والخزّان البشري للمدّ السلفيّ في البلاد الإسلامية، والحركات القوميّة والدينية المتطرّفة في أنحاء عديدة من العالم.
تحت ظلال دول الاستبداد، تعرّض العمّال، في العالم العربي إلى نصيب كبير من الاستغلال السياسي والاقتصادي كما عانوا من أشكال أخرى من القهر والظلم، فانضافت على الفلسطينيين منهم معاناة القهر الوطنيّ أمام محتلّ حرم الملايين منهم من حق العيش في وطنهم، ثم ما لبثت معاناة ظلم «ذوي القربى» أن فاقمت طبقات القهر، فالفلسطيني ممنوع من العمل في 25 مهنة في لبنان مثلاً، وقد طردت وطوردت مئات آلاف العائلات ومعيليها في العراق وسوريا والكويت (بعد حرب الخليج الثانية)، بسبب الحروب وردود الفعل الانتقامية والتهجير، بينما يعاني عمّال غزة من البطالة حيث يبلغ عددهم أكثر من 200 ألف عاطل عن العمل يعيلون 900 ألف نسمة بفعل الحصار البحري والجوي الإسرائيلي ومفاعيل حرب غزة الأخيرة التي دمّرت قرابة 500 منشأة اقتصادية وأكثر من 28000 بيت.
قد تلخّص حقيقة أن لا بنى سياسية تعبّر عن مصالح العمال العرب (حوالي 126 مليون عامل) إشكالية سياسية عربية، لا يفعل ادعاء بعض الأحزاب الصغيرة من بقايا المرحلة الشيوعية تمثيلهم غير تأكيدها، ولعلّ ذلك عائد إلى بدهيّة واقعية كبرى لم تستطع الأفكار الأيديولوجية للأحزاب اليسارية والقومية، رغم مدّها الكبير في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، أن تخترقها، وهي أن المجتمعات العربية بعمّالها وفلاحيها وفئاتها الاجتماعية المختلفة، وطبقاتها الوسطى، تخوض نضالاً كبيراً ومتعدد الأشكال، مع أشكال من الاستبداد العالميّ، الذي تتشارك منافعه طبقة العمّال ما يسمّى بالدول المتقدمة، والقوميّ الذي تفرضه احتلالات فعلية في فلسطين أولا، وفي مناطق عربية أخرى، بالتوازي والتعاون والتواطؤ أحياناً كثيرة مع المستبدّ المحلّي، وهو ما يجعل نضال العمّال جزءاً من نضال عامّ وكبير تخوض فيه الشعوب حربها لنيل حرّياتها السياسية وفكّ أسرها العالمي والقومي والوطنيّ، ويتداخل في هذا النضال مسعى تحرير حقوق العامل والفلاح والمرأة والطفل، مع حرب الشعوب لنيل الحرية وإسقاط الاستبداد السياسي.
«يا عمّال العالم اتّحدوا!» طوبى جميلة نتذكرها غير أن جل ما نتمناه الآن على الأقل ألا يتّحد عمّال العالم ضدّنا! buying antibiotics online from canada.