فخامة الموت …!

بقلم: يونس العموري

.. ويكون ان يأتيك الهاجس بماهية اللحظة الراهنة وكأننا نترك الغد لمقادير الأمور، وتتزاحم الاسئلة العنيفة التي تغزو الوجدان دون اجابات منطقية بالشكل والمضمون ، والقلق تتسع حلقاته، وقد اضحى جزءا من يوميات القابع ما بين قرار السادة وانتظار الرعايا، والموت قد اضحى هو الحقيقة الساطعة الذي من شانه إجبار الكل على التعامل والتعاطي وفعل الغياب، لتدور الدوائر في محاولة لإيجاد الاجابة للسؤال عن ماهية الغد استنادا لظرفية اليوم. ولعل الوطنية الفلسطينية الراهنة تعايش القلق والموت، وطرح التساؤلات وانتظار الاجابات والترقب سيد الموقف لما سيكون عليه قرار السادة والانتظار قد طال، ونحن في حالة انتظار طويلة، انتظار لترتيب البيت وانتظار لمن سيعتلي منصة الكلام ومن سيعلق الجرس ومن سيصرخ ومن سيقارع الحجة بالحجة ومن سيكون له خيار الصمت والسكون، وهناك عند الزوايا من سيمارس خالة الخنوع ويرضى بالركوع، وقد يكون من بين الصفوف من قد يتقدم ويقول الكلام الممنوع في ظل قوانين الكلام ونظم الجمل، والاحرف الأبجدية قد ضاعت في التيه واصبحت غير مترابطة ولا تعبر عن وقائع اليوم ، والجميع يحاول الهروب من حقيقة السؤال ، والموت هو الحقيقة التي من شأنها اجبارنا على اعادة الترتيب وتولي مقاليد الامور في ظل الفوضى ليكون من سينصب ذاته ارغاما او خيارا او اختيارا السيد الجديد ، والخليفة المحتمل او من يرى بذاته الامير القيصر هو من يستعجل فعل الموت والغياب ، وللموت لعبته في التشويق واطالة انتظار السادة الامراء وقد يكون في ذلك حكمة لإنضاج الرعايا الرعاع ولتهيئة العرش للقادم على منصة التتويج .

والممنوعات كثيرة على قائمة الصمت البليغ ، هذا الصمت المدوي والصمت قد يكون موقف من مواقف الاحتجاج على كل الكلام وجعجعة الانتظار. ومن الممنوع ان تمارس الحق بالتفكير بماهية اللحظة الفارقة في ظل التغيب ، وهنا لابد من ممارسة كل اشكال الخرافات والشعودذة والولوج الى عوالم المستقبل بادوات اخرى لا نعرفها و ولا نجيد استعمالها .. والفجوة باتساع والصدفة هي سيدة اللحظة الراهنة بكل ما يتصل بالذات الجمعية الجماعية . وما زال الكل قاعدين هناك عند اطراف التاريخ في محاولة للإنقضاض على فريسة الموت ان جاء مباغتا . وقد يكون الموت للفكرة وللإطار ولرافعة الفعل والافعال ، وقد يكون تلاشي الحس والاحساس بالمسألة الوطنية وتداعياتها شكلا من اشكال الموت البطيء ، ومغادرة منصة الحلم والثورة هو الموت الحقيقي للشعب التواق للحرية وتقرير المصير ، وغياب الاحتجاج والمقاومة ووأدها جزء من فعل الموت المتكرر ، والركون والركوع والتركيع والسجود بحضرة كلمات القيصر والتسليم بالأمر الواقع هو الموت بابهى صوره . والموت في الشرق يصبح له دلالات اخرى ومعاني مختلفة حينما يقترب من اولي الأمر فينا.

في الشرق المأزوم لهم أن يطاعوا ويؤمروا.. هو الحاكم بأمره، وأمره قد يكون تنفيذا لأوامر أخرى تأتيه من وراء البحار، لك الكلام والحديث، ولك الأمر ولنا الطاعة، وإن كنت بالرمق الأخير. في الشرق المأزوم يجوز للمتربع على عرش الحكاية أن يقول ما يقول بحضرة القول المبالغ به. وسيد الموقف قرارت فرعونية ليس لها علاقة بالمقدس ذاته، والإلياذة هناك مقدسة وبروتوكلات حكماء صهيون مقدسة على الضفة الأخرى من الجدار، والقداسة ليس لها علاقة بالقبلة الأولى والبيت العتيق والجلجلة.

في حضرة الموت المُنتظر والمؤجل الى حين والأبخرة والشعوذة واستحضار المدد من العوالم الأخرى يكون الكلام. يتربع بوسط الحضرة شيخ الطريقة ويبدأ بالتراتيل التي من خلالها سيكون بروتوكول الوصايا للقادم على منصة التتويج في ظل الموت الكبير للكبير ، هكذا كان وهكذا سيكون.

والموت هنا يصرخ ان انتظر … سأورثك مجد القيصر لترتع به كما تشاء، وسأجعل منك إماما عليهم، فقد حانت ساعة توليك أمورهم وهم رعاياك وجواريك من النساء، إفعل ما شئت بهم أو بهن، لا فرق، وسأعلنك أميرا للمؤمنين عليهم، وقد تكون مليكا على عرش جماجمهم، وسيدا لعبيدهم، ولن يظهر سبارتاكوس من جديد. والمعادلة بسيطة: بقليل من الجوع والتجويع والفقر والقتل سيسود حكمك ولا بد من زبانية يعملون إلى يمينك، وعسس يسهرون على مراقبة ليلهم وجوعهم، وبرامكة تستقدمهم ليكونوا عونك، وإن ابتسموا لا بد أن تعرف من المبتسم وسر هذا الابتسام. وإن بكى آخر أو غضب أو كان عابسا وجب التفسير. وإن قبلوا نساءهم بوضح النهار فاعلم أن ثمة خللا في أحوال الرعية. وإن اعتلى أحدهم منصة الكلام وقال بحضرة الليل شعرا فانتبه للقول من أوله فقد يحمل معه مضامين أخرى، وأقصد زواريب الطرقات فقد يتجمعون هناك.

ومارس التخريب لنشوتهم، وإن كانوا جالسين على قارعة الطريق فاعمل على تفريق جمعهم، واحذر صعاليكهم فلا تدري متى سيكون غضبهم. إعمل على تخريب فرحهم ولحظتهم بإنسانيتهم. أشعرهم دائما بالدونية، وأجبرهم على تقبيل اليد الممدوة دائما للعطايا، فأنت القيصر والقيصر هو المانح العاطي الواهب القادر، ولا حق لهم إلا بما تجود به نفسك وما تقرر به أنت وقتما تشاء، وإياك والضعف وأن يحنو قلبك على صغارهم فغدا سيكبر هؤلاء ليصبحوا الرجال بعهدك. وإن أردت أن تتحدث وتخطب فيهم فانتبه أن تكون دائما الأعلى والأوسم والأرقى وخاطبهم بفوقية القيصر وعظم ذاتك.

أيها القيصر العتيد علمهم الانحناء، واجبرهم على فعل الانحناء هذا، حتى يصبح جزءا من بروتوكولاتهم حينما يصبح اللقاء معك ممكنا، واحرص على تجديد العقاب والثواب، واعتمد على العصا الغليظة المغلظة والجزرة التي قد لا يحصلون عليها. ولا تخلق منهم أبطالا، وإياك وإيداع الرموز بين ضلوعهم، وتعلم من التاريخ جيدا، ولا تخلق لهم كربلاء جديدة يحجون إليها، ودمر كل معابدهم ودنس مقدساتهم ومعتقداتهم، ونصب ذاتك وليا للرب، وأن ما تقول أو تفعل مستمد من شرعية الإله، وقرّب من سلطانك دعاة يسبحون بحمدك وبقولك وبفعلك.

إخلق دائما بمواجهة الحسين يزيد ومعاوية، واجعل من واقعة الفتنة والفتن نبراسا ودليلا لحكمك، ولأسلوب إدارتك الرشيدة، وشدد على اختلاف المذاهب وتعدد التفسيرات ليسود تفسيرك أنت، وليتصارع الهلال مع الصليب على الدوام، وسياسة التكفير واحدة من أقوى أسلحتك وفتكك، وخيّب ظن الحسناوات بظهور الفرسان القادمين على صهوات الجياد، ودمر أحلامهن بفحولة الرجال.

واياك من إعادة سيزيف إلى المشهد مرة أخرى فقد صنع -ومن خلال صخرته- أسطورة صارت مثالا يحتذى بها لتحدي المستحيل، وحكاية الأسطورة تستهوي العبيد ويطربون على إيقاعاتها.

استعرض أمامهم قدراتك وإمكانيات بطشك، واعلم أن قوتك من ضعفهم، وعلمك من جهلهم، ونهارك ممتعا في ظل سواد ليلهم، وربيعك من خلال خريفهم، لذلك لا تسمح لهم بربيع مزهر. يا قيصر الليل لا تأبه لنداءت قد تسمعها يوما بضرورة إفساح المجال للحريات، ولتلك المسماة بالديمقراطية، فأنت مصدر كل السلطات ولا سلطة إلا سلطتك، ولا عرش إلا عرشك، وإياك من عبثهم بدستور يخذلك، ويسحب البساط من تحت أقدامك.

ونصب نفسك فرعونا مؤلها بالسيف، ومن خلال زبانية يعملون على التذكير باسمك وأفعالك بصرف النظر عن طبائعها، ومارس الرذيلة بوضح النهار، ولا تأبه لمن يغمسون القلم بالحبر الأسود، فشعبك لا يقرأ، وإن قرأ ينسى، وإن لم ينس يخاف. فهؤلاء الرعاع يبحثون عن اللات والعزى، وعن هبل جديد ليقبع في البيت العتيق يحجون إليه راكعين.

إجعل من ذاتك إمبراطور اللحظة، والتقط تلك اللحظة التاريخية، واركب أية موجة قد تفاجئك بها الريح المعاكسة وإن جاءت غربية فكن غربيا أعجميا أجنبيا، وإن تناقضت مع أعراف وتقاليد أسلافك، وانظر دائما إلى عرشك وحافظ عليه، وإن كان تحالفك مع الشيطان ضرورة فافعل ما تؤمر به لحظتها، وإياك واستعداء أباطرة البيت الأبيض ونفذ سياسات يهوذا وإن كانت خلسة، فهم أيها القيصر من سيحافظون على عرينك، وإن كان خشبيا، ولا تكشف عن حنقك وغضبك أمام سادة العالم فأنت دائما من يحتاج له سادة البزنس المتغول، واجزل بالعطايا لهؤلاء السادة وإن كان على حساب العبيد من رعاياك. اعقد الصفقات معهم، وامهر توقيعك على كل وثائقهم ولا تدقق بتفاصيل الاتفاقيات، فأنت قيصر هنا وحارس أمين لمصالحهم، ولتعلم أن عرشك لن يدوم إذا ما غضب سادة روما وأباطرة بلاد العم سام.

يا سيد السادة… ضع الصغير مكان الكبير، وضع الجاهل مكان العالم، وضع التابع في القيادة، وحينها الويل لأمة مالها عند بخلائها وسيوفها بيد جبانئها وصغار ولاتها.

وإن تجمعوا في الساحات، وبدأوا بالتكاثر فبادر إلى استيعابهم، وحاول أن تستعطفهم بمجدك وتاريخك. وإن هتفوا ضدك وتجرأوا على ليلك وقصرك فاعلم حينها أنك لا بد راحل، فابحث مبكرا عن خلاصك، ولا تركن إلى أصدقاء أو مناصرين، ولا تبحث عن أسباب هزيمتك وتقويض عرشك، ففي كل ما قلت أسباب فعلية لزوال ليلك، ولا قيصر دون قصر وبطش.

ولا تجتهد كثيرا، فالكل سيتخلى عنك لحظتها، وينفض الجمع من حولك، وقد تأتيك ضربة النهاية ليرتسم مشهد نهايتك من حيث لا تحتسب، فحينها أيها القيصر المنتهية ولايته استجمع بقايا عرشك وأهرب تحت جنح الظلام باحثا عن جحر يأويك، وتهيأ لدق الطبول فقد صار للعبيد حرية انتزعوها من بين أنيابك، ولا بد من الانقضاض على تاريخك وتاريخ أسلافك، حينها اصمت وادخل ذاتك بغيبوبة الصمت.