الجمعة , أغسطس 19 2022

مؤسسة “الحق” تستنكر الاعتداء على النشاطات الثقافية وتطالب بالمحاسبة

تتابع مؤسسة الحق بقلق بالغ الاعتداءات والتهديدات التي تتعرض لها الأنشطة الثقافية والتعبيرية المختلفة في الفترة الماضية وخصوصًا التهديد “مجهول المصدر” الذي تلقته وأبلغت به مؤسسة عبد المحسن القطان، على خلفية عزمها تنظيم أمسية موسيقية في مقر مركزها الثقافي في مدينة رام الله، يشارك فيها الفنان الفلسطيني جوان صفدي. وكانت مؤسسة القطان قد تلقت اليوم الأربعاء، 3 آب 2022، تهديدات نسبت إلى أشخاص غير معروفين، يطالبون بعدم تنظيم الأمسية، وهددوا باقتحام الحفل في حال تنظيمه.

يأتي هذا التهديد في ظل تزايد الاعتداءات على المؤسسات والمساحات والنشاطات الثقافية، والتي هي أحد تجليات الحالة المتردية لحرية التعبير والتجمع، والتي تنذر بالمزيد من التراجع في حالة الحريات، وخصوصًا حرية الرأي والتعبير والتجمع المكفولة بالقانون الأساسي الفلسطيني، الذي نص في مادته العاشرة على أن “حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام”، ونص في مادته الحادية عشرة على أن “الحريات الشخصية حق طبيعي وهي مكفولة لا تمس”. كما يعتبر ذلك انتهاك للاتفاقيات الدولية التي انضمت لها دولة فلسطين دون تحفظات، وخصوصًا العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، والذي نص في مادته التاسعة عشرة على أن ” لكل إنسان حق في حرية التعبير”. ومن الجدير بالذكر أن الاعتداءات على المؤسسات والحريات تأتي في وقت تتعرض فيه المؤسسات الأهلية الفلسطينية لهجوم همجي وشرس من قبل سلطات الاحتلال، لتشويهها وإسكات صوتها، وهذا ما يتطلب تكاتفًا من قبل الكل الفلسطيني لمواجهة الهجمة على الشعب الفلسطيني وثقافته وروايته وحقوقه، وليس العكس.

ترى “الحق” أن هذه الاعتداءات تسيء للشعب الفلسطيني، وتقدم صورة غير مشرفة وغير مشرقة عن شعب يناضل لنيل حريته من الاحتلال، خصوصًا وأن الثقافة كانت ولا تزال، أحد أهم أركان الهويّة الوطنيّة الجامعة، وأداة نشر روايتنا للعالم، وفضح الاحتلال الاستيطاني الاستعماري، وتوثيق أطر التعاون مع أحرار العالم. فتاريخ فلسطين يزخر بالأسماء والمثقفات والمثقفين الذين قدموا/ن روحهم/ن لأجل الحرية والانعتاق من الاحتلال، ولعبوا/ن دورًا محوريًا في بث صورة فلسطين الحق، وفلسطين الحضارة والثقافة والتعددية والتاريخ الأصيل.

ومع هذه التهديدات تجدد مؤسسة الحق تحذيرها من أن التدهور في حالة الحريات والاعتداء عليها من قبل أشخاص يأخذون القانون بيدهم، سيؤدي إلى سيطرة أفراد على الحياة العامة وفرض رؤاهم على العموم، وتهميش سيادة القانون، والحريات العامة، ما قد يدخل المجتمع في حالة من الفوضى لا يحمد عقباها. خصوصًا في ظل عدم قيام السلطات الفلسطينية المختصة بتوفير الحماية للمواطنين والمواطنات والمؤسسات، لتمكينهم من ممارسة حقهم القانوني في التعبير دون خوف وقلق، وأن يتم حمايتهم/ن في وجه من يسعى إلى فرض رؤيته الخاصة والأحادية على المجتمع والأفراد والتهديد واللجوء إلى القوة والعنف كما حصل مع نشاط مسرح عشتار مؤخرًا.

إن احترام الاختلاف في الرؤى والتوجهات بشكل عام والتفاعل معها بطرق ديمقراطية وحضارية هي مصدر قوة لأي مجتمع يتطلع إلى التقدم والتماسك والنماء وتحقيق تطلعاته الوطنية والاجتماعية والتنموية، وبخلاف ذلك، فأن المجتمع وتماسكه وتطلعاته، هي في خطر حقيقي، لن ينفع معها الندم والتنديد لاحقًا.

إن اكتفاء الشرطة الفلسطينية، بإبلاغ منظمي النشاطات بأن هناك تهديدات من جهات مجهولة ومطالبتهم/ن بإلغاء النشاط، وعدم القدرة على حمايته، وعدم اتخاذ اجراءات للكشف عن هؤلاء “الخفافيش” والتحقيق معهم وفقا للقانون والأصول، يضع دور الشرطة أمام سؤال كبير.

كما أن التذرع بموضوع التوجهات “المثلية” لتبرير التهديدات والاعتداءات في حالة بعض الفعاليات هو بحد ذاته خطر حقيقي وأداة لمحاولة قمع الحريات بكل أشكالها وألوانها. هذا الموضوع يجب أن يخضع لنقاش مجتمعي مسؤول وواعي بعيدًا عن التهديد والعنف والهجوم الممنهج، تحترم فيه الآراء كي نجنب مجتمعنا المزيد من الانقسامات والشرذمة والعنف. نحن نعي بأن مجتمعنا والشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده وتعدديته وثقافته يدرك جيدًا قيمة الحرية والثقافة في نضالات الشعوب وحمل رسالتها من أجل حريتها غير المنقوصة.

وعليه فإن “الحق” تطالب الجهات المختصة وخصوصًا جهاز الشرطة ووزارة الداخلية بالإمساك بزمام الأمور، واتخاذ ما يلزم من إجراءات، وتحمل مسؤولياتها القانونية وفقًا للقانون الفلسطيني، والاتفاقيات الدولية، لحماية المواطنين والمواطنات، وصون حقوقهم/ن. كما وتطالب الشرطة بحماية الفعاليات المختلفة ومساءلة كل من يخالفها، والتحقيق في حادثة التهديدات التي تلقتها مؤسسة القطان سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وتقديم كل من يقف وراءها للعدالة.