تصعيد استيطاني دامي بالضفة: حسم ميداني بالرصاص تحت غطاء التوترات الإقليمية

11 مارس 2026آخر تحديث :
تصعيد استيطاني دامي بالضفة: حسم ميداني بالرصاص تحت غطاء التوترات الإقليمية

تواجه القرى والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة فصلاً جديداً من فصول التغول الاستيطاني، حيث بات الرصاص الحي هو الأداة الأبرز لحسم الصراع على الأرض. وفي قرية دير أبو فلاح شمال شرق رام الله، عاش الأهالي ليلة دامية واجهوا خلالها هجوماً هو الأوسع والأعنف بمشاركة نحو 100 مستوطن مسلح انطلقوا من بؤر استيطانية حديثة أقيمت على أراضي القرية.

وأفادت مصادر محلية بأن الشبان تمكنوا من رصد تحركات المستوطنين عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، مما دفع الأهالي للتجمع عبر مكبرات الصوت في المساجد لصد الاقتحام. وبالرغم من المقاومة الشعبية بالحجارة، إلا أن المستوطنين بادروا بإطلاق الرصاص الحي بشكل مباشر صوب المواطنين، مما أدى إلى وقوع إصابات قاتلة في صفوف المدافعين عن القرية.

وأسفر الهجوم الغادر عن استشهاد مواطنين فلسطينيين جراء إصابتهما برصاص في الرأس بشكل مباشر، فيما أصيب خمسة آخرون بجروح متفاوتة. ومع وصول قوات الاحتلال إلى المكان، لم تتدخل لوقف اعتداءات المستوطنين، بل شرعت في إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع بكثافة تجاه الأهالي، مما تسبب في استشهاد فلسطيني ثالث نتيجة الاختناق الشديد.

وفي سياق متصل، شهدت منطقة مسافر يطا جنوب الخليل جريمة مماثلة، حيث أعلن عن استشهاد الشاب أمير محمد شناران (27 عاماً) برصاص مستوطن من مستوطنة ‘سوسيا’. ووفقاً لشهادات العيان، فإن المستوطن الذي كان يرتدي زي جيش الاحتلال، أطلق النار بدم بارد على الشهيد وشقيقه بعد اقتحام مساكن عائلتهما والاعتداء عليهم بالضرب المبرح.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن حدة هذه الاعتداءات تصاعدت بشكل ملحوظ منذ نهاية فبراير الماضي، تزامناً مع التوترات العسكرية الإقليمية. ويرى مراقبون أن المستوطنين يستغلون الانشغال الدولي والظروف الراهنة لتسريع عمليات الحسم الميداني في الضفة الغربية، حيث ارتفع عدد الشهداء برصاص المستوطنين إلى ثمانية خلال أسبوع واحد فقط.

ويؤكد ناشطون متابعون لملف الاستيطان أن ما يجري حالياً هو ‘إرهاب ممنهج’ يهدف إلى تنفيذ مخططات السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية. وأوضح الناشط عايد غفري أن الصلاحيات المفتوحة الممنوحة للمستوطنين جعلت ‘التكلفة بالدم’، حيث يتم القضاء على كل من يحاول اعتراض طريق التوسع الاستيطاني في المناطق المهددة.

وبحسب تقارير دولية صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فقد تم تهجير نحو 700 فلسطيني من تسعة تجمعات سكانية منذ مطلع عام 2026. وتركزت عمليات التهجير في محافظة أريحا، وتحديداً في تجمع رأس عين العوجا البدوي الذي فقد 600 من سكانه قسرياً نتيجة هجمات المستوطنين المتكررة.

لو لم نقم بصد هذا الهجوم لوقعت مجزرة في القرية؛ فالمستوطنون هذه المرة جاءوا بأعداد كبيرة وتحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال.

وتعد معدلات التهجير الحالية هي الأعلى منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة قبل أكثر من عامين، مما يشير إلى تحول عنف المستوطنين إلى عامل رئيسي في التغيير الديموغرافي بالضفة. وتعمل هذه المجموعات المسلحة على تفريغ المناطق المصنفة ‘ج’ من الوجود الفلسطيني لتسهيل ضمها الفعلي للمستوطنات القائمة أو إقامة بؤر جديدة.

وعلى الصعيد الحقوقي، وثق مركز القدس للمساعدة القانونية 86 اعتداءً للمستوطنين خلال أسبوع واحد فقط في شهر فبراير، شملت 60 تجمعاً فلسطينياً. وتنوعت هذه الاعتداءات بين إطلاق الرصاص، وإحراق المركبات، واقتلاع المئات من أشجار الزيتون، بالإضافة إلى منع الرعاة من الوصول إلى مراعيهم تحت تهديد السلاح.

وأشار أمير داود، المسؤول في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إلى أن وتيرة الاعتداءات ارتفعت بنسبة 25% خلال الأيام العشرة الأخيرة. وأكد داود أن الخطورة لا تكمن فقط في زيادة العدد، بل في ‘نوعية الاعتداءات’ التي أصبحت تهدف بشكل مباشر إلى القتل العمد، وهو ما لم يسبق تسجيله بهذا التركيز الزمني القصير.

ويبدو أن المخطط الاستيطاني قد انتقل إلى مرحلة الزحف نحو المناطق المصنفة ‘ب’ والمناطق السكنية المكتظة، بعد السيطرة شبه الكاملة على المناطق ‘ج’. ويهدف هذا التحول إلى تضييق الخناق على القرى والبلدات الفلسطينية وتحويلها إلى معازل محاصرة بالبؤر الاستيطانية التي تعمل كنقاط انطلاق للهجمات الليلية.

وفي ظل هذا الواقع المرير، تبرز لجان الحراسة الشعبية كخيار وحيد للأهالي لحماية أنفسهم وممتلكاتهم من هجمات المستوطنين المباغتة. وتعتمد هذه اللجان على المناوبات الليلية واستخدام وسائل بسيطة كالحجارة والعصي، في محاولة لتعويض غياب الحماية الأمنية الرسمية التي تمنعها اتفاقيات أوسلو من العمل في تلك المناطق.

ورغم الملاحقة المستمرة من قبل قوات الاحتلال لأعضاء هذه اللجان، إلا أن تجربة قرية دير أبو فلاح أثبتت أهمية اليقظة الشعبية في منع وقوع مجازر أكبر. فقد كان مخطط المستوطنين المعلن عبر منصاتهم يتضمن حرق منازل مأهولة بالسكان، وهو ما تم إحباطه بفضل سرعة استجابة الأهالي وتجمعهم في نقاط الاشتباك.

ويشدد المتابعون للشأن الميداني على ضرورة تنظيم هذه الجهود الشعبية وتطويرها لتفادي وقوع المزيد من الخسائر البشرية في صفوف المدنيين. فالمرحلة القادمة تتطلب استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة ‘جيش المستوطنين’ الذي بات يتحرك بتنسيق كامل مع المنظومة العسكرية والسياسية للاحتلال لحسم مصير الضفة الغربية.