كشفت تقارير صحفية دولية عن أزمة عميقة تواجه الترسانة العسكرية الأمريكية، حيث أدت المواجهة العسكرية المستمرة مع إيران إلى استنزاف مخزونات حيوية من الذخائر المتقدمة كانت تكفي لسنوات. وأكدت مصادر مطلعة أن وتيرة الاستهلاك الحالية، خاصة لصواريخ ‘توماهوك’ بعيدة المدى، تضع ضغوطاً هائلة على البحرية الأمريكية التي قد تشعر بتداعيات هذا النقص لفترة طويلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس لإدارة الرئيس دونالد ترامب، حيث تتصاعد التكاليف المادية للصراع بالتزامن مع اضطرابات واسعة في الممرات البحرية التجارية. وقد انعكست هذه الأزمة مباشرة على الأسواق العالمية، حيث قفزت أسعار النفط لتتجاوز حاجز المئة دولار للبرميل، مما زاد من حالة الاستياء الشعبي قبيل انتخابات التجديد النصفي.
ومن المتوقع أن يتقدم البنتاغون بطلب رسمي إلى الكونغرس خلال الأيام القليلة المقبلة للحصول على تمويل إضافي يصل إلى خمسين مليار دولار. ويهدف هذا الطلب الطارئ إلى تغطية نفقات العمليات العسكرية المستمرة وإعادة ملء المخازن التي أفرغت نتيجة الكثافة النيرانية المستخدمة في الأيام الأولى من المواجهة.
في المقابل، بدأت تظهر بوادر معارضة شرسة داخل أروقة الكابيتول، حيث حذرت السيناتور الجمهورية ليزا موركوفسكي من منح البيت الأبيض ‘شيكاً على بياض’. وشددت موركوفسكي على ضرورة تقديم تبريرات دقيقة ومعلومات مفصلة حول كيفية إنفاق هذه الأموال، مؤكدة أن دور الكونغرس ليس مجرد التمويل دون رقابة.
وتشير البيانات العسكرية إلى أن الأيام الستة الأولى من الضربات الجوية والصاروخية كلفت الخزينة الأمريكية أكثر من أحد عشر مليار دولار. وتركزت معظم هذه النفقات في تكلفة الذخائر الذكية والأنظمة الدفاعية التي يتم إطلاقها بوتيرة غير مسبوقة لمواجهة التهديدات الإيرانية في المنطقة.
ولفت السيناتور الديمقراطي مارك كيلي الانتباه إلى خلل في ‘معادلة التكلفة’، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تستخدم صواريخ ‘باتريوت’ و’ثاد’ التي تكلف ملايين الدولارات لإسقاط مسيرات إيرانية زهيدة الثمن. وأوضح كيلي أن طائرات ‘شاهد’ الإيرانية لا تتجاوز تكلفتها ثلاثين ألف دولار، مما يجعل الاستنزاف المالي الأمريكي غير مستدام.
وعلى الرغم من تأكيدات وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن الجيش لا يعاني من نقص حالي في الذخائر، إلا أن خبراء استراتيجيين يبدون قلقاً بالغاً. ويرى هؤلاء أن استهلاك المخزونات الاستراتيجية قد يضعف الجاهزية الأمريكية في حال اندلاع صراعات أخرى مع قوى كبرى مثل روسيا أو الصين في المستقبل القريب.
الحسابات هنا لا تعمل؛ نحن نطلق صواريخ بملايين الدولارات لمواجهة مسيرات إيرانية رخيصة الثمن.
وتشير أرقام التصنيع العسكري إلى فجوة كبيرة بين الاستهلاك والإنتاج، حيث اشترى الجيش الأمريكي 322 صاروخ ‘توماهوك’ فقط خلال السنوات الخمس الماضية. وفي المقابل، تشير تقديرات مراكز الدراسات إلى استخدام 168 صاروخاً من هذا الطراز خلال أول مئة ساعة فقط من الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير.
وفي سياق متصل، دعا الزعيم الجمهوري السابق ميتش ماكونيل إلى ضرورة الموافقة على الميزانية التكميلية، معتبراً إياها فرصة للاستثمار في الأولويات الدفاعية. واستخدم ماكونيل عبارة ‘الضعف يدعو إلى التحدي’ لحث زملائه على دعم القوات المسلحة بغض النظر عن الخلافات السياسية حول شرعية الحرب.
وتواجه الإدارة الأمريكية تحدياً إضافياً يتمثل في الاستراتيجية الإيرانية القائمة على ‘الحرب غير المتكافئة’. فبينما تبلغ الميزانية العسكرية الأمريكية 886 مليار دولار، تعتمد إيران على ميزانية متواضعة تبلغ 25 مليار دولار، لكنها تنجح في إرهاق النظام المالي والعسكري الأمريكي عبر استهداف نقاط الضعف في الشحن الدولي.
ويمثل مضيق هرمز نقطة ارتكاز حاسمة في هذا الصراع، حيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية و30% من الغاز المسال. وأي تعطيل طويل الأمد لهذا الممر المائي يعني استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وهو ما تراهن عليه طهران لإطالة أمد الصراع وإرهاق التحالفات الدولية.
المشرعون الديمقراطيون من جانبهم يصفون الحرب بأنها ‘غير قانونية’ لعدم حصولها على تفويض من الكونغرس، وهو ما يعقد مسار تمرير حزم التمويل. ويرى هؤلاء أن الانجرار إلى صراع طويل في الشرق الأوسط يكرر أخطاء الماضي ويستنزف موارد البلاد التي يحتاجها المواطن الأمريكي في الداخل.
وعلى الجانب التقني، تبلغ تكلفة صاروخ ‘توماهوك’ الواحد نحو 3.6 مليون دولار، وهو سلاح دقيق لكنه مكلف للغاية عند استخدامه بكثافة ضد أهداف متعددة. وتكشف هذه الأرقام حجم التحدي الذي تواجهه شركات الدفاع الأمريكية مثل ‘آر تي إكس’ في تسريع خطوط الإنتاج لتعويض ما تم فقده في ساحة المعركة.
ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول قدرة الولايات المتحدة على موازنة طموحاتها العسكرية مع واقعها الاقتصادي والمخزوني. فبينما تؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن الجيش لديه ما يكفي لتحقيق أهداف عملية ‘الغضب الملحمي’، تشير الوقائع الميدانية والتقارير الاستخباراتية إلى أن كلفة الاستنزاف قد تتجاوز التوقعات الأولية بكثير.













