جدل في الجزائر عقب إقصاء نواب حاليين من سباق الانتخابات التشريعية

29 مايو 2026آخر تحديث :
جدل في الجزائر عقب إقصاء نواب حاليين من سباق الانتخابات التشريعية

تشهد الأوساط السياسية والحزبية في الجزائر حالة من الجدل المتصاعد عقب شروع السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في إبلاغ الأحزاب والقوائم بقرارات رفض ملفات عدد من المترشحين للانتخابات التشريعية المقبلة. وقد شملت قرارات الإقصاء وجوهاً برلمانية بارزة ومنتخبين حاليين، مما أعاد النقاش حول المعايير المعتمدة في تقييم ملفات الترشح ومدى موضوعيتها.

وتركزت الانتقادات حول السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة في تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، والتي تفرض شروطاً تتعلق بالنزاهة والابتعاد عن أوساط المال المشبوه. ويرى مراقبون أن شمول قرارات الإقصاء لنواب مرت ملفاتهم دون عوائق في استحقاقات سابقة يطرح تساؤلات حول طبيعة الأدلة الجديدة التي استندت إليها سلطة الانتخابات.

ومن أبرز الأسماء التي طالها الاستبعاد، النائب عن حركة مجتمع السلم زكرياء بلخير، الذي عرف بمداخلاته القوية ومساهمته في مقترح قانون تجريم الاستعمار. وقد علق بلخير على قرار إقصائه عبر منصات التواصل الاجتماعي، معتبراً أن غيابه يمثل خسارة للعهدة التشريعية المقبلة نظراً لخبرته البرلمانية الميدانية.

كما شملت قرارات الرفض النائب أحمد بلجيلالي، المختص في الاقتصاد، والذي تساءل عن مفهوم ‘المواقف المثيرة للجدل’ التي استُخدمت كمسوغ لإبعاده. وأكد بلجيلالي أن هذا التوصيف لا يوجد له سند قانوني واضح يتيح للمتضرر الدفاع عن نفسه أو إثبات براءته من التهم الموجهة إليه بشكل ضمني.

وفي ولاية تيارت، تم إسقاط ترشيح النائب الحالي سليمان زرقين، لينضم إلى قائمة المبعدين من حركة مجتمع السلم. وأثارت هذه القرارات ردود فعل متضامنة من قبل نشطاء وحقوقيين اعتبروا أن الكفاءة البرلمانية والمواقف السياسية يجب ألا تكون سبباً في المنع من ممارسة الحق الدستوري في الترشح.

ولم يقتصر الجدل على حزب واحد، بل امتد ليشمل جبهة القوى الاشتراكية في ولاية بجاية، حيث تم رفض سبعة ملفات من قائمتها. كما طالت قرارات الإقصاء مترشحين من التجمع الوطني الديمقراطي وقوائم مستقلة، مما يشير إلى أن عملية الغربلة شملت مختلف الأطياف السياسية سواء الموالية منها أو المعارضة.

من جانبه، أصدر حزب ‘جيل جديد’ بياناً شديد اللهجة وصف فيه ما جرى بـ ‘المناورة السياسية المتعمدة’ التي استهدفت إطاراته الفاعلة. وأوضح الحزب أن تبليغ قرارات الرفض عشية عيد الأضحى عقد من مهمة المحامين في تقديم الطعون القانونية ضمن الآجال الضيقة التي يحددها القانون.

Facebook Post
مسار انتخابي يقصي بقرار إداري الإطارات الشرعية لحزب سياسي معتمد لا يمكنه أن يدعي المصداقية ولا النزاهة.
Facebook Post
وانتقد الحزب بشدة توجيه اتهامات تتعلق بـ ‘أنشطة مشبوهة’ دون وجود أحكام قضائية نهائية تدين المعنيين. واعتبر ‘جيل جديد’ أن هذه الممارسات تمس بشرف الأشخاص وتضرب مصداقية المسار الانتخابي في مقتل، مؤكداً عزمه اللجوء إلى القضاء الإداري لاسترداد حقوق مترشحيه.

بدورها، أعربت حركة مجتمع السلم عن قلقها البالغ من ‘التوسع في التطبيق التعسفي’ للمادة 200 من قانون الانتخابات. وحذرت الحركة في بيان رسمي من أن استمرار الإقصاء دون أدلة قانونية واضحة سيؤدي حتماً إلى تعميق فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية للدولة.

وفي سياق القراءات القانونية، أشار المحامي عبد الله هبول إلى مفارقة تتمثل في أن بعض النواب المشتكين اليوم من ‘مقصلة’ المادة 200 هم أنفسهم من صادقوا عليها. واعتبر هبول أن هذا الموقف يضع النواب أمام مسؤوليتهم التشريعية السابقة حين مرروا نصوصاً قانونية تحتمل تأويلات واسعة.

من جهة أخرى، يرى المحامي توفيق هيشور أن الإشكالية تكمن في طريقة تفسير النصوص القانونية وحدود تطبيقها من ولاية إلى أخرى. وأوضح هيشور أن غياب الانسجام في تطبيق القانون قد يولد شعوراً بالظلم، مشدداً على أن وضوح القاعدة القانونية هو الضمان الوحيد لنزاهة العملية الانتخابية.

وتنص المادة 200 المثيرة للجدل على ضرورة ألا يكون المترشح معروفاً لدى العامة بصلته مع أوساط المال والأعمال المشبوهة. وبينما يراها البعض أداة لحماية البرلمان من ‘المال الفاسد’، يرى منتقدون أنها صياغة فضفاضة تفتح الباب أمام تصفية الحسابات السياسية والإقصاء الإداري.

إجرائياً، تلزم المادة 206 من القانون سلطة الانتخابات بتعليل قرارات الرفض تعليلاً قانونياً صريحاً وإبلاغ المعنيين في غضون عشرة أيام. ويمنح القانون الحق للمترشحين المرفوضين بالطعن أمام المحاكم الإدارية التي تفصل في القضايا بصفة استعجالية لضمان استمرارية العملية الانتخابية.

وتسابق الأحزاب الزمن حالياً لتعويض الأسماء المستبعدة قبل انقضاء الآجال القانونية المحددة بـ 25 يوماً قبل موعد الاقتراع. وتبقى الأنظار متجهة نحو المحاكم الإدارية وما ستسفر عنه الطعون، في ظل ترقب شعبي لانتخابات الثاني من يوليو التي ستحدد ملامح الخارطة التشريعية القادمة.