يواجه المنقذون البحريون على شواطئ قطاع غزة ظروفاً قاسية تتجاوز قدراتهم البشرية، حيث يضطرون للتعامل مع حالات الغرق المتزايدة دون أدنى مقومات السلامة أو المعدات اللازمة. ويروي المنقذ إبراهيم كباجة تفاصيل إنقاذه لثلاث فتيات في حوض ميناء غزة، حيث ركض مئات الأمتار وصارع الأمواج بجسده فقط لإيصالهن إلى بر الأمان.
يقضي كباجة وغيره من المنقذين نحو 12 ساعة يومياً في مراقبة الشاطئ، تبدأ من شروق الشمس وحتى مغيبها، في مهمة يصفها بالأصعب طوال مسيرته المهنية الممتدة لأكثر من عقدين. وتكمن الصعوبة في افتقار الفرق لأدوات الإنقاذ الأساسية التي دمرتها آلة الحرب، مما جعل العمل يعتمد كلياً على المجهود البدني والمخاطرة الشخصية.
وتنتشر على طول الساحل أبراج مراقبة بدائية ومتهالكة، صنعها المنقذون من بقايا الأثاث والأخشاب التي خلفتها الحرب، في محاولة لخلق نقاط رصد تمكنهم من متابعة المصطافين. ويستخدم المنقذون صافرات بسيطة وإشارات يدوية لتوجيه الشبان والابتعاد بهم عن مناطق التيارات البحرية الخطرة التي تزايدت في الآونة الأخيرة.
أفادت مصادر محلية بأن فرق الإنقاذ البحري تعيش حالياً أسوأ مراحلها التاريخية، حيث فُقدت معظم المعدات ووسائل الاتصال والإنقاذ السريع جراء العمليات العسكرية المستمرة. هذا النقص الحاد جعل التعامل مع حالات الطوارئ أمراً في غاية التعقيد، ووضع حياة المنقذين والمصطافين على حد سواء في دائرة الخطر الدائم.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود المعدات، بل تمتد لتشمل نقصاً حاداً في الكوادر البشرية المؤهلة لتغطية كامل مساحة الساحل، خاصة في ظل انعدام الرواتب والأزمة المالية الخانقة. ويعاني غالبية المنقذين من البطالة، حيث لا تتوفر جهات رسمية أو دولية قادرة على تأمين عقود عمل دائمة تضمن استقرارهم المعيشي.
لقد تغيرت طبيعة العمل على الشاطئ بشكل جذري، فبعد أن كان موسم الاصطياف يقتصر على أربعة أشهر فقط، تحول الساحل إلى مركز إيواء دائم للنازحين الذين يسكنون الخيام. هذا الواقع الجديد فرض وجوداً للمنقذين على مدار العام، وهو ما يفوق طاقة الفرق التطوعية التي تعمل بلا مقابل مادي بعد انتهاء عقودها الموسمية القصيرة.
ويحذر العاملون في هذا القطاع من أن غياب الرقابة عن مناطق واسعة من الشاطئ سيؤدي حتماً إلى ارتفاع حالات الغرق، خاصة مع الازدحام الكبير الذي تشهده الشواطئ. ويطالب المنقذون بضرورة توفير رواتب ثابتة ومستلزمات عمل أساسية تضمن استمرارهم في أداء هذه المهمة الإنسانية التي تحفظ أرواح المواطنين.
نعمل لساعات طويلة في ظل ظروف صعبة وإمكانات شبه معدومة، مستعينين بما تبقى من أبراج مراقبة بدائية لا توفر الحد الأدنى من متطلبات العمل.
من جانبه، يشكو المنقذ رياض الهبيل من غياب مكبرات الصوت التي تعد أداة حيوية لإرشاد المتواجدين داخل البحر وتحذيرهم من التيارات القوية قبل وقوع الكارثة. ويؤكد أن الإمكانات الحالية شبه معدومة، في وقت يشهد فيه البحر إقبالاً غير مسبوق من السكان الهاربين من حرارة الخيام وظروف النزوح المريرة.
ويشير الهبيل إلى أن الضغط البشري الهائل على الشاطئ لا يتناسب إطلاقاً مع أعداد المنقذين المتوفرة، مما يخلق فجوة أمنية كبيرة في إجراءات السلامة البحرية. ورغم غياب الرواتب لفترات طويلة، يواصل هؤلاء الرجال مهامهم بدافع إنساني، مطالبين المؤسسات الدولية بالتدخل العاجل لتعزيز قدرات فرق الإنقاذ.
وتتضاعف معاناة المنقذين بسبب عدم التزام بعض المواطنين بالتعليمات والإرشادات، نتيجة الضغوط النفسية والمعيشية الصعبة التي تدفعهم للمخاطرة بدخول البحر في ظروف غير آمنة. ويبحث السكان في مياه البحر عن لحظات من الراحة والتفريغ النفسي، بعيداً عن أعباء الحياة اليومية القاسية التي فرضتها الحرب.
وفي سياق متصل، يروي المنقذ علام زغرة قصصاً مؤلمة عن حالات غرق معقدة بين الصخور، حيث تضطر الفرق للتدخل بوسائل بدائية جداً مثل العوامات البلاستيكية البسيطة. ويتقاضى زغرة مبلغاً زهيداً لا يتجاوز 10 دولارات يومياً مقابل عمل شاق يستمر لنصف يوم، ضمن مشاريع تشغيل مؤقتة لا تلبي أدنى احتياجات عائلته.
وكشفت معلومات حصلت عليها مصادرنا من وزارة الحكم المحلي في غزة أن هناك 445 منقذاً فقط ينتشرون حالياً على طول 33 كيلومتراً من الساحل. وتوضح البيانات أن هذا العدد يغطي مساحة واسعة تمتد من بيت لاهيا شمالاً وحتى رفح جنوباً، وهو ما يمثل عبئاً هائلاً على الكوادر المتاحة حالياً.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن موسم الاصطياف الحالي يتطلب وجود ما لا يقل عن 800 منقذ لتأمين الشواطئ بشكل كامل، مما يعني وجود عجز يقترب من 50%. هذا النقص العددي، مقترناً بغياب المعدات التقنية واللوجستية، يجعل مهمة حماية المصطافين شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة.
يبقى بحر غزة هو المتنفس الوحيد لمليوني إنسان يواجهون الحصار والحرب، لكن هذا المتنفس بات محفوفاً بالمخاطر في ظل انهيار منظومة الإنقاذ. وتظل المناشدات مستمرة للجهات الدولية والمؤسسات الإغاثية لرفد هذا القطاع الحيوي بما يحتاجه من أدوات وكوادر لضمان عدم تحول رحلات الاستجمام إلى مآسي جديدة.













