أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عن قرار قسري بوقف المساعدات الشهرية لنحو نصف مليون فلسطيني في قطاع غزة، مرجعاً هذه الخطوة إلى العجز الكبير في التمويل الدولي. وأكد البرنامج أن الاحتياجات الإنسانية في القطاع لا تزال في مستويات حرجة رغم هذا التقليص الإجباري.
وأوضح شون هيوز، المدير القطري للبرنامج في الأراضي الفلسطينية أن المؤسسة الأممية اضطرت لشطب هذا العدد الضخم من قوائم المستفيدين بدءاً من الشهر الجاري. وبهذا القرار، ينخفض عدد الفلسطينيين الذين يتلقون دعماً غذائياً أو نقدياً إلى 1.1 مليون شخص فقط، وهو ما يمثل نحو نصف سكان القطاع.
وشدد البرنامج على أن جهوده السابقة ساهمت بشكل ملموس في تخفيف وطأة المجاعة التي عصفت بغزة خلال العام الماضي، وهي الحقائق التي تحاول سلطات الاحتلال التشكيك في صحتها. وحذر المسؤولون الأمميون من أن الأوضاع الميدانية لم تتحسن بالشكل الذي يسمح بتقليص حجم التدخلات الإنسانية الحالية.
وفي سياق متصل، أكد هيوز من مقر الوكالة في القدس المحتلة أن غياب الأمان يظل العائق الأكبر، حيث تستمر الغارات الجوية اليومية وعمليات النزوح القسري للسكان. وأشار إلى أن الغالبية العظمى من المواطنين يفتقرون إلى مساكن دائمة، ويعيشون في ظروف إنسانية توصف بالقاسية للغاية.
وتشير أحدث التقارير الدولية إلى أن نحو 1.4 مليون فلسطيني، أي ثلثي سكان غزة، لا يزالون يواجهون انعدام أمن غذائي حاد ويحتاجون لمساعدات عاجلة للبقاء على قيد الحياة. وتأتي هذه الأرقام في وقت تتزايد فيه الضغوط على المنظمات الدولية لتغطية الفجوات التمويلية المتسعة.
من جهتها، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن أي تقدم تم إحرازه في مكافحة سوء التغذية يظل هشاً وقابلاً للانتكاس السريع. وطالبت المنظمة بضرورة إبقاء كافة المعابر مفتوحة لضمان تدفق الإمدادات التجارية والإغاثية بشكل مستدام ودون عوائق.
واتهمت مصادر محلية سلطات الاحتلال بفرض قيود مشددة على دخول المساعدات، في حين تزعم إسرائيل أن توقف دخول السلع التجارية يعود لخلافات ضريبية داخلية. ويأتي هذا التضييق بعد ثلاث سنوات من الحرب المستمرة التي دمرت البنية التحتية والقدرات الإنتاجية لسكان القطاع.
اعتبارًا من هذا الشهر، بات علينا شطب نصف مليون شخص من إجمالي من نقدم لهم المساعدات بسبب نقص التمويل الحاد.
وأكد ريكاردو بيريس، المتحدث باسم اليونيسف أن استقرار تدفق الإمدادات هو الضمان الوحيد لحماية الأطفال من تداعيات الأزمة الغذائية. وأوضح أن العائلات في غزة بحاجة ماسة للوصول إلى السلع والخدمات الأساسية لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم في ظل الدمار الواسع.
وكشف تقرير حديث للمنظمة أن طفلاً واحداً فقط من بين كل ثلاثة أطفال دون سن الثانية يحصل على التنوع الغذائي المطلوب لنمو سليم. كما أظهرت المسوحات الميدانية انتشار سوء التغذية المزمن بين طفل واحد من كل ثمانية أطفال دون سن الخامسة في مختلف مناطق القطاع.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تزداد المخاوف بشأن مصير نحو 800 ألف طفل نازح يعيشون في خيام متهالكة أو مبانٍ آيلة للسقوط. ودعت المنظمات الدولية إلى تحسين فوري في ظروف الإيواء والخدمات الأساسية لدعم أي مسار للتعافي المستدام في القطاع المنكوب.
ميدانياً، أفادت مصادر بأن قوات الاحتلال واصلت استهداف خيام النازحين بالقصف المدفعي وإطلاق النار الكثيف، لا سيما في مدينة خان يونس جنوبي القطاع. وأسفرت هذه الاعتداءات عن وقوع إصابات بين المدنيين الذين يعانون أصلاً من ويلات النزوح المتكرر وفقدان المأوى.
وفي الضفة الغربية، لم تتوقف اعتداءات الاحتلال، حيث شنت القوات مداهمات واسعة في قلقيلية وطولكرم ونابلس، تخللها اعتقالات في صفوف المواطنين. كما رصدت تقارير تحركات دبلوماسية أمريكية في قرية الطيبة عقب اعتداءات متكررة نفذها المستوطنون بحماية جيش الاحتلال.
تتزامن هذه الأزمات الإنسانية مع تعقيدات سياسية دولية، حيث تتواصل التحذيرات من انفجار الأوضاع بشكل كامل إذا استمر نقص التمويل الإغاثي. ويبقى سكان غزة رهينة لسياسات الحصار والقيود التي تمنع وصول الغذاء والدواء، مما يهدد بعودة شبح المجاعة الشاملة إلى الواجهة مجدداً.













