تستعد الحكومة الفرنسية لمواجهة اختبار أمني وسياسي جديد مع اقتراب موعد احتجاجات السبت المقبل، وسط مخاوف من تكرار مشاهد العنف والنهب التي شهدتها البلاد مؤخراً. وتأتي هذه الاستعدادات في ظل اتساع رقعة الغضب الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور مستوى الخدمات العامة في مختلف المدن الفرنسية.
أفادت مصادر بأن السلطات الفرنسية لجأت إلى فرض حظر تجول موضعي في عدة مناطق، وتعهدت بتعزيز الانتشار الأمني والاستعانة بقوات عسكرية لضبط الأوضاع. ويهدف هذا التحرك إلى منع انزلاق التظاهرات إلى أعمال تخريبية، بعد أن شهدت باريس ومدن أخرى إحراق ممتلكات واشتباكات واسعة في جولات سابقة.
تبرز أمام الإدارة الفرنسية ثلاثة رهانات أساسية لاحتواء التصعيد، تتوزع بين المسارات الاقتصادية والأمنية والحوار المجتمعي. وتواجه الحكومة معضلة حقيقية في الموازنة بين استعادة النظام في الشوارع والاستجابة للمطالب المعيشية الملحة التي يرفعها المتظاهرون.
ترتبط الاحتجاجات الحالية بشكل مباشر بارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بتمويل قطاع التعليم. وتزداد صعوبة الموقف في ظل الضغوط الكبيرة على المالية العامة والخلافات السياسية داخل البرلمان حول موازنة عام 2027.
ذكرت مصادر أن الحكومة الفرنسية تمتلك هامشاً محدوداً لتقديم حزم إنفاق جديدة، رغم تخصيصها مساعدات طارئة لبعض القطاعات المتضررة. كما تعهدت السلطات بدعم الشركات التي تعرضت لأعمال نهب وتخريب لتجنب أزمات السيولة وتسريح العمالة.
يراهن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على التحركات الخارجية لتعزيز إمدادات الطاقة وتخفيف الضغوط على الأسواق المحلية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن زيادة الإمدادات لا تعني بالضرورة انخفاضاً فورياً في الأسعار التي يتحملها المستهلكون في محطات التعبئة.
أشارت مصادر إلى أن باريس حصلت على تعهدات دولية لتلقي كميات إضافية من الديزل شهرياً لتخفيف الضغط على السوق. وتأمل الرئاسة الفرنسية أن تساهم هذه الخطوة في تهدئة الشارع، رغم أن المطالب الشعبية تمتد لتشمل تحسين الأجور والخدمات العامة.
انتقلت السلطات الأمنية إلى نهج القيود الموضعية، حيث فُرض حظر تجول جزئي في مدن باريس وبوردو وليل وليون ونيس ومارسيليا. وشملت هذه القيود مناطق حيوية وميادين عامة، بالإضافة إلى حظر مؤقت على حمل عبوات البنزين والغاز لمنع عمليات الحرق.
صرح رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو بأن حظر التجول ساهم في استعادة الهدوء النسبي خلال الليل، مع إبقاء خيار تمديده قائماً. وأوضح لوكورنو أن الإجراءات الأمنية قد تحد من أعمال النهب، لكنها لا تعالج الجذور العميقة للأزمة الاجتماعية القائمة.
أقرت الحكومة بوجود إخفاقات في الاستعدادات الأمنية السابقة، مشيرة إلى قصور في المعلومات الاستخباراتية وجمود في تحركات الشرطة. وأعرب وزير الداخلية لوران نونيز عن مسؤوليته عن بعض الأخطاء، مؤكداً العمل على تعديل خطط الانتشار لتكون أكثر مرونة.
تعتزم السلطات الاستعانة بنحو 200 محقق لتحديد هوية المتورطين في أعمال العنف الأخيرة، بالتوازي مع تشكيل مسار للتحقيق البرلماني. ويهدف هذا التحرك إلى كشف أوجه القصور الأمنية ومنع تكرار الاضطرابات الواسعة التي فاجأت الأجهزة الأمنية.
دعا رئيس الوزراء ممثلي النقابات العمالية إلى اجتماع لبحث سبل ضمان الحق في التظاهر السلمي ومنع استغلال التجمعات في أعمال التخريب. وجاء هذا الاجتماع في ظل استعدادات مجموعات طلابية وحركة السترات الصفراء لتنظيم جولات احتجاجية جديدة.
أفادت مصادر بأن النقابات العمالية دعت بشكل منفصل إلى تحرك احتجاجي في مطلع نوفمبر المقبل اعتراضاً على قضايا الأجور والموازنة. ووعدت الحكومة بتقديم إعلانات أولية تتعلق بمطالب الطلبة خلال مناقشات الميزانية المقبلة في البرلمان.
تتجه الأنظار إلى السبت المقبل كاختبار حقيقي لقدرة الحكومة على ضبط الشارع، حيث أعلنت حركة السترات الصفراء نيتها مواصلة التصعيد. وتكشف أرقام المشاركة في الجولات السابقة، التي وصلت لمئات الآلاف، عن حجم التحدي الذي يواجه السلطات الفرنسية.












