أميركا والمجتمع الدولي معتمد معتمد

حديث القدس

الهجوم الذي ارتكبه أنصار الرئيس الاميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، على الكونغرس أمس الأول، بتحريض من ترامب نفسه والمحيطين به من الشعبويين الذين قادوا أميركا الى درك لم يسبق له مثيل خلال السنوات الأربع الماضية، هذا الهجوم الذي طال رأس السلطة التشريعية الأميركية، والذي لم يسبق له مثيل أذهل العالم ودفع زعماءه الى استنكاره، كما صدم الكثير من الاميركيين، بعد ان كانت الولايات المتحدة الاميركية تتفاخر بالديمقراطية، ليؤكد ما جرى ان ترامب والمحيطين به وأنصاره حاولوا دوس الديمقراطية ومنع الكونغرس من المصادقة على فوز الرئيس المنتخب جو بايدن.

وفي الحقيقة فإن المتضرر من السنوات الأربع لحكم ترامب لم تكن أميركا وحدها التي اهتزت صورتها أمام العالم أجمع بفعل السياسة الخارجية الرعناء التي انتهجها ترامب، وانما لحقت أضرار جسيمة بالنظام الدولي وبالعلاقات بين الولايات المتحدة والكثير من دول العالم خاصة اوروبا والصين، عدا عما ألحقه ترامب وطاقمه الموالي للصهيونية بالقضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني من أضرار بسلسلة مواقفه الداعمة للاحتلال والضم والاستيطان والمناهضة لحقوق الشعب الفلسطيني والشرعية الدولية.

إلا ان ما يجب أن يقال هنا ايضاً ان سياسة الولايات المتحدة سواء ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو غيرها من الشؤون الدولية، قبل ترامب لم تكن عادلة، بل انها كانت ظالمة وأكبر دليل على ذلك الدعم المتواصل على مدى عقود بالمال والسلاح والحماية في المحافل الدولية للاحتلال الاسرائيلي من قبل الادارات الاميركية المتعاقبة.

كما ان ما طفا على السطح في أحداث الكونغرس أمس الأول لم يكن وليد الساعة، بل هو نتاج تنامي الشعبوية والعنصرية في الولايات المتحدة التي طالما تفاخرت بأنها حريصة على حقوق الانسان ليتضح هذا الانقسام الاميركي والذي لا يمكن النظر اليه على انه شأن داخلي فقط بل هو انقسام ايضاً حول الموقف من العدالة والديمقراطية وحقوق الانسان والعنصرية …. الخ.

لذلك نقول ان الولايات المتحدة الاميركية اذا ما كانت معنية بتجسيد مكانة الدولة العظمى الاولى في العالم، فإنها مطالبة اليوم بانتهاج سياسة عادلة ازاء قضايا الشعوب كافة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني واحترام الشرعية الدولية وقراراتها وحقوق الانسان وانتهاج سياسة التعاون مع المجتمع الدولي لصالح البشرية جمعاء.

وفي الوقت الذي بدا فيه ان الكونغرس الاميركي تجاوز الأحداث التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الولايات المتحدة وصادق على فوز الرئيس جو بايدن في الانتخابات الرئاسية، الا ان ترامب وأنصاره من الانجيليين والعنصريين البيض لا زالوا يشكلون تهديداً حقيقياً للديمقراطية والاستقرار في الولايات المتحدة، ويكفي ما قاله الرئيس المنتخب بايدن امس الاول من ان ما حدث هو هجوم على الديمقراطية للدلالة على المخاطر التي يواجهها النظام الاميركي.

في المحصلة، فإن ما أقدم عليه ترامب والمحيطون به في محاولة لإعادة عجلة التاريخ الى الوراء سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو المعادلات الدولية أو حتى ما يتعلق بالداخل الأميركي عبر تعزيز الشعبوية والعنصرية والحركات الفاشية داخل المجتمع الاميركي، يظل الحكم على نتائجه رهناً بالمجتمع الدولي أولاً وبالمجتمع الاميركي، فإما ان يقف المجتمع الدولي موقفاً جدياً حازماً إزاء التغييرات التي أحدثها ترامب ويرسي معالم نظام عالمي متوازن وعادل وإما ان يشهد النظام الدولي مزيداً من التراجع، ونأمل ان يتجاوب الرئيس المنتخب جو بايدن مع هذا التوجه.