الدراما السياسية في واشنطن تكشف زيف الاستثناء الأمريكي

ظل السياسيون الأمريكيون يبشّرون لأمريكا باعتبارها مثالاً للديمقراطية، ويعملون بلا كلل، لترويج قيمها وأنظمتها في الخارج. لكن الاضطرابات السياسية الأخيرة وأعمال العنف في واشنطن، قد كشفت زيف أسطورة الاستثناء الأمريكي.

قبل أسبوع واحد بالضبط من مغادرته منصبه، أصبح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أول رئيس دولة أمريكي، يُحاكم مرتين في مجلس النواب ذي الغالبية الديمقراطية، وانضم إلى الديمقراطيين عشرة جمهوريين، واتهموه بالتحريض على الحصار الدموي لمبنى الكابيتول هِل (الكونغرس الأمريكي)، الأسبوع الماضي.

لقد جاءت محاكمة ترامب، هذه الدراما السياسية المثيرة للدهشة، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة لا تزال تعاني من الفوضى والمشاهد العنيفة لاقتحام مبنى الكابيتول، من قبل مجموعة غاضبة من أنصار ترامب، الأمر الذي نجم عنه سقوط 5 قتلى.

وكما قال ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، فإن ما حدث مؤخرا “يجب أن يضع حدا لما يسمى بالاستثناء الأمريكي، حول مدينة مشرقة أبدية تتربع على تل”.

وبعد المواجهات الدموية في مبنى الكابيتول الأمريكي، سارع السياسيون الأمريكيون من كلا الحزبين في الكونغرس، إلى إلقاء اللوم على الإدارة الحالية. رغم ذلك، فقد نسوا أمرا متناقضا في ممارسة توجيه أصابع الاتهام: فعندما تشير سبّابتك إلى شخص ما، فمن الطبيعي أن هناك ثلاثة أصابع بيدك تشير إلى نفسك مباشرة.

منذ سنوات، يبدو أن السياسيين في واشنطن قد فقدوا القدرة على حل مشاكل الأمريكيين العاديين. وكان العنف السياسي غير المسبوق في مبنى الكابيتول، تتويجا لحكم مستمر منذ سنوات تتم خلاله إثارة العداء تجاه الخصوم السياسيين. وبدلا من العمل على توسيع الأرضية المشتركة والسعي إلى توافق اجتماعي، لجأت النخب السياسية من كلا الحزبين إلى التحزب الشديد لحشد مؤيديهم ضد بعضهم البعض.

وبالنسبة لأولئك السياسيين الأنانيين، فإن رأسمالهم السياسي يتجاوز مصالح البلاد والعِباد. وخلال الأشهر الـ12 الماضية، ورغم الحقيقة المؤلمة المتمثلة في أن وباء كوفيد-19 يعيث فوضى في جميع أنحاء البلاد، ظل الطرفان مترددين في تنحية التنافس السياسي جانبا، والبدء في بناء توافق في الآراء، رغم أن حياة البشر معرضة للخطر.

ومع اقتراب فترة ولاية ترامب من نهايتها، يصبح واضحا أن السياسيين الأمريكيين يروجون لفكرة أن كل الفوضى السياسية ستنتهي برحيل ترامب. وهذا أيضا جزء من دافعهم لمحاكمة ترامب في الأيام الأخيرة من فترة ولايته في المنصب: أي تجريده من أية إمكانية لتولي المنصب مرة أخرى.

ولكن، ولسوء حظ أمريكا، فإن وهم تلك النخب السياسية قد يكون وصفة أكثر سميّة لعدم الاستقرار في المستقبل.