خبراء وقانونيون: إسرائيل تسعى لتفكيك المنظومة القانونية الأردنية بالضفة لشرعنة الاستيطان

10 فبراير 2026آخر تحديث :
خبراء وقانونيون: إسرائيل تسعى لتفكيك المنظومة القانونية الأردنية بالضفة لشرعنة الاستيطان

تضع القرارات الإسرائيلية الأخيرة، القاضية بإلغاء القوانين الأردنية الناظمة لملكيات الأراضي في الضفة الغربية، المجتمع الدولي أمام اختبار قانوني وأخلاقي جديد. وتعد هذه الخطوة مسعى لتفكيك المنظومة التشريعية التي شكلت منذ عام 1953 حائط صد قانوني في مواجهة التوسع الاستيطاني، حيث كانت تمنع تملك المستوطنين للأراضي الفلسطينية.

وأفادت مصادر بأن الحكومة الإسرائيلية تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى إنهاء الولاية القانونية الأردنية المستمرة تاريخياً في الأراضي المحتلة. ويُنظر إلى هذا التحرك كجزء من استراتيجية أوسع لتثبيت واقع جديد يسهل عمليات المصادرة والضم تحت غطاء إداري وأمني يتجاوز الاتفاقيات الدولية الموقعة.

من جانبه، أدان الأردن هذه القرارات واصفاً إياها بأنها اعتداء صارخ على حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وخرق للقانون الدولي. وأكدت الخارجية الأردنية في بيان لها أنه لا سيادة للاحتلال على الأرض الفلسطينية، مشددة على بطلان أي إجراءات أحادية تهدف لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم.

وحذرت حركة “السلام الآن” من أن هذه القرارات ستمنح فئة قليلة من المستوطنين القدرة على فرض وقائع سياسية على الأرض دون أي رقابة حكومية. وأشارت الحركة إلى أن إلغاء القيود على شراء الأراضي سيفتح الباب على مصراعيه أمام عمليات تزوير واسعة في المعاملات العقارية بالضفة الغربية.

ويرى خبراء أن التحرك الإسرائيلي يتجاوز البعد الإداري ليصل إلى مستوى الاستهداف الوجودي للهوية الفلسطينية. وأوضح مختصون أن صدور هذه القرارات عن المجلس الأمني المصغر “الكابينت” يعكس خلفيتها الأمنية وسيطرة التيارات اليمينية المتطرفة على مفاصل القرار في حكومة نتنياهو.

ويعتبر القانون الأردني الذي يحظر تمليك العقارات لليهود قانوناً نافذاً وسارياً في الضفة الغربية بناءً على قواعد القانون الدولي واتفاقيات جنيف. وبموجب هذه القواعد، فإن أي محاولة لتغيير هذه التشريعات من قبل قوة الاحتلال تعد باطلة ولا ترتب أي أثر قانوني معترف به دولياً.

وفي سياق متصل، نبهت مصادر إلى خطورة الصمت الدولي تجاه هذه الإجراءات، معتبرة أن السماح لإسرائيل بإلغاء قوانين الأقاليم المحتلة يخلق سابقة دولية خطيرة. وتساءل مراقبون عما إذا كان العالم سيقبل باستبدال شريعة القانون الدولي بشريعة الغاب التي تبيح للقوي فرض قوانينه على الضعيف.

إسرائيل تستطيع عملياً تعليق القوانين الأردنية عبر أوامر عسكرية، لكنها قانونياً لا تملك حق الإلغاء الدائم لهذه القوانين أو استبدالها بقوانينها السيادية.

ويستند الأردن في معارضته لهذه الإجراءات إلى الوصاية الهاشمية والاتفاقيات الدولية التي تمنحه حق الدفاع عن المقدسات وتوثيق الانتهاكات. كما توفر السجلات العثمانية التي تحتفظ بها دول حليفة قاعدة قانونية صلبة لمواجهة محاولات تزييف الواقع العقاري في المحاكم الدولية.

وعلى الصعيد الميداني، طالت القرارات مدينة الخليل بشكل مباشر، حيث تقرر نقل صلاحيات التخطيط والبناء في المسجد الإبراهيمي ومحيطه إلى مؤسسات إسرائيلية. ويمثل هذا الإجراء خرقاً واضحاً لـ “اتفاق الخليل” الموقع عام 1997، والذي كان يمنح البلدية الفلسطينية صلاحيات إدارية واسعة.

وأوضح أساتذة في العلوم السياسية أن إسرائيل تفرض الأمر الواقع بالقوة لا بالشرعية، حيث لا تملك حق الإلغاء الدائم للقوانين المحلية. وأشاروا إلى أن تسهيل بيع الأراضي للمستوطنين يعد انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، وقد يرقى في بعض جوانبه إلى مستوى جرائم الحرب.

وتمتلك المملكة الأردنية أدوات دبلوماسية وقانونية لتعطيل هذه القرارات عبر تفعيل ملفات المحكمة الجنائية الدولية والضغط السياسي من خلال معاهدة السلام. ويهدف هذا التحرك إلى منع شرعنة القرارات الإسرائيلية دولياً وضمان بقاء المرجعية القانونية العربية للأراضي المحتلة قائمة.

ويبرز التنسيق الفلسطيني الأردني كركيزة أساسية في مواجهة هذه المخططات، من خلال توحيد المواقف أمام المحافل الدولية ودعم صمود السكان. ويسعى الطرفان إلى إبراز كيف تقوض هذه الإجراءات حل الدولتين وتحول الضفة إلى كانتونات معزولة تحت سيطرة المستوطنين الكاملة.

وتشمل القرارات الجديدة أيضاً إتاحة تنفيذ عمليات هدم ومصادرة في المناطق المصنفة (أ) و (ب)، والتي كان من المفترض أن تخضع لسيطرة فلسطينية بموجب اتفاقية أوسلو. ويمثل هذا التطور انهياراً كاملاً للترتيبات الأمنية والإدارية التي حكمت المنطقة على مدار العقود الثلاثة الماضية.

ختاماً، يؤكد مراقبون أن وجود مئات الآلاف من المستوطنين والبؤر الاستيطانية يظل واقعاً مؤقتاً أمام قوة الحق التاريخي والقانوني. وإن الإصرار الإسرائيلي على سياسة الضم لن يؤدي إلا إلى زيادة التوتر وخلق أجيال ترفض التعايش مع احتلال يسلبها أرضها وهويتها القانونية.