كشفت السفارة الأمريكية لدى كيان الاحتلال، يوم الثلاثاء، عن توجه جديد يتمثل في تقديم خدمات قنصلية لمواطني الولايات المتحدة القاطنين داخل المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة. وتعد هذه الخطوة الأولى من نوعها في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية، حيث كانت الإدارات السابقة تتجنب أي نشاط رسمي يوحي بالاعتراف بشرعية الوجود الاستيطاني في المناطق المحتلة عام 1967.
وأوضحت السفارة في إعلان رسمي أن هذه المبادرة تأتي تحت مسمى ‘Freedom 250’، وتهدف إلى تسهيل الإجراءات القنصلية للأمريكيين في أماكن تواجدهم. ومن المقرر أن يبدأ موظفون قنصليون بتقديم خدمات استخراج وتجديد جوازات السفر داخل مستوطنة ‘إفرات’ يوم الجمعة الموافق 27 شباط/ فبراير الجاري، في تجاوز واضح للخطوط الحمراء الدبلوماسية السابقة.
وأشارت مصادر إلى أن طواقم السفارة لن تكتفي بمستوطنة واحدة، بل وضعت جدولاً زمنياً يمتد للأشهر المقبلة يشمل زيارات لمواقع مختلفة. وتتضمن الخطة التواجد في مستوطنة ‘بيتار عيليت’ والقدس المحتلة وحيفا، بالإضافة إلى مدينة رام الله، مما يعكس رغبة في دمج المستوطنات ضمن النطاق الجغرافي للخدمات الحكومية الأمريكية دون تمييز.
وتقع مستوطنة ‘إفرات’ المستهدفة بالنشاط الأول ضمن تجمع ‘غوش عتصيون’ الاستيطاني جنوب مدينة بيت لحم، وتضم كثافة عالية من المستوطنين الذين يحملون الجنسية الأمريكية. وتعتبر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي هذه المستوطنة، كغيرها من المستوطنات، غير شرعية وتخالف اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.
وتأتي هذه التحركات الميدانية في ظل أزمة دبلوماسية أثارتها تصريحات السفير الأمريكي لدى كيان الاحتلال، مايك هاكابي، الذي تبنى مواقف متطرفة تجاه الحقوق الفلسطينية. وكان هاكابي قد تحدث صراحة عن ‘حق إسرائيل’ في التوسع والسيطرة على أراضٍ عربية، مستنداً إلى تفسيرات توراتية ترفض الاعتراف بمصطلح ‘الضفة الغربية’.
هذه الخطوة تعامل المستوطنات كجزء طبيعي من كيان الاحتلال، بدلاً من كونها أراضٍ محتلة بموجب القانون الدولي.
وبحسب تقارير صحفية، فقد سارعت إدارة الرئيس دونالد ترمب لمحاولة احتواء الغضب العربي الناجم عن تصريحات السفير، حيث أجرى مسؤولون رفيعو المستوى اتصالات مع عواصم عربية. وحاولت الإدارة التنصل من أبعاد التصريحات عبر وصفها بأنها تعبر عن ‘آراء شخصية’ لهاكابي، رغم أن الإجراءات القنصلية الجديدة على الأرض تعزز توجهاته.
من جانبها، أدانت حركة حماس بشدة هذا الإعلان الأمريكي، معتبرة أن تقديم خدمات قنصلية داخل المستوطنات يمثل مشاركة فعلية في العدوان على الشعب الفلسطيني وأرضه. وقالت الحركة إن هذه الخطوات تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وتصفية القضية الفلسطينية عبر شرعنة الاستيطان المخالف للقوانين الدولية.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يمثل قطيعة مع السياسة الأمريكية التقليدية التي كانت تعتبر الاستيطان عائقاً أمام عملية السلام، حيث يتم الآن التعامل مع المستوطنين كجزء ‘طبيعي’ من النسيج الإداري الذي ترعاه واشنطن. ويقطن في الضفة الغربية حالياً أكثر من نصف مليون مستوطن، بينهم عشرات الآلاف من حملة الجنسية الأمريكية الذين يشكلون قاعدة ضغط سياسي.
وتتزامن هذه التطورات مع موافقة مجلس الوزراء الإسرائيلي مؤخراً على سلسلة من التدابير التي تهدف إلى تشديد السيطرة الإدارية والأمنية على مناطق الضفة الغربية. وتسهل هذه الإجراءات عمليات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتوسيع البنية التحتية للمستوطنات، مما يقلص فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.
إن إدراج المستوطنات ضمن خطة ‘الوصول القنصلي’ يبعث برسالة سياسية مفادها أن واشنطن لم تعد تعترف بالحدود الفاصلة بين الأراضي المحتلة والداخل المحتل. ويحذر حقوقيون من أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام اعترافات دولية أخرى بالواقع الاستيطاني، مما يقوض النظام القانوني الدولي الذي يجرم الاستيلاء على الأراضي بالقوة.













