تتجاوز الكارثة في قطاع غزة حدود الأرقام والإحصائيات اليومية، لتتجلى في تفاصيل حياة النساء اللواتي يواجهن تحديات غير مسبوقة للبقاء. في مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، تروي الباحثة الميدانية ألفت الكرد كيف تتحول المهام اليومية البسيطة إلى معارك شاقة من أجل النجاة. الكاتبة التي فقدت عائلتها ومنزلها في حي الشجاعية، ونزحت ست مرات، تؤكد أن حكايتها ليست سوى مرآة لواقع أوسع تعيشه آلاف النساء تحت وطأة الحرب المستمرة.
ترى الكرد أن فهم حقيقة ما يجري في غزة يتطلب الإصغاء لأصوات النساء اللواتي يحملن عبء استمرار المجتمع وسط الدمار. فالحرب لا تقتصر على القصف المباشر، بل تمتد لتطال القدرة اليومية على إطعام الأطفال وتوفير الرعاية والحماية للأسرة. إن تدمير هذه القدرات يمثل جوهر محاولات تقويض المجتمع الفلسطيني من الداخل، مما يجعل شهادات النساء وثيقة أساسية لفهم الفظائع المعاشة.
تتضمن الشهادات التي جمعتها الكرد قصصاً مؤلمة، منها قصة صفاء الفرماوي التي فقدت ابنتها غزل ذات الخمسة عشر ربيعاً برصاص الاحتلال عند مركز للمساعدات. كانت الفتاة تبحث عن لقمة عيش لعائلتها في زمن المجاعة التي تضرب رفح ومناطق القطاع كافة. هذه الحوادث تكشف كيف يتحول البحث عن الغذاء إلى مخاطرة مميتة تطال اليافعين والنساء على حد سواء.
على صعيد الكرامة الشخصية، تعاني النساء من انهيار كامل لشروط الخصوصية والنظافة الأساسية في مخيمات النزوح المكتظة. وتضطر الكثيرات لاستخدام قطع من الملابس القديمة كبدائل للمستلزمات الصحية المفقودة، وهو ما يمثل اعتداءً يومياً على الجسد والروح. هذا الوضع المأساوي يعكس مدى عمق الأزمة الإنسانية التي تتجاوز مجرد نقص الغذاء لتصل إلى أدق تفاصيل الحياة الأنثوية.
يواجه النظام الصحي في غزة انهياراً شاملاً جعل من الحمل والولادة تجربة محفوفة بالمخاطر والموت. تفتقر الحوامل للرعاية الطبية والمكملات الغذائية الضرورية، مما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد حياة الأم والجنين. كما تجد الأمهات المرضعات أنفسهن عاجزات عن توفير الحليب لأطفالهن بسبب سوء التغذية الحاد، في ظل ندرة الحليب الصناعي في الأسواق.
فهم ما يجري في القطاع لا يكتمل بالنظر إلى النساء كفئة إضافية من الضحايا، بل بوصفهن في قلب معنى الإبادة.
لم تعد هذه الشهادات مجرد قصص عابرة، بل تحولت إلى جهد توثيقي منظم تقوده مؤسسات أكاديمية وحقوقية فلسطينية ودولية. مشروع ‘شهادات نساء من غزة’ الذي أطلقه معهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت، يسعى لجمع هذه الأصوات وحفظها كأرشيف تاريخي. يهدف المشروع إلى إبراز اللغة والحياة التي تنتجها النساء وسط الركام، بعيداً عن الصورة النمطية للضحية السلبية.
تشارك مؤسسات حقوقية بارزة مثل ‘الحق’ والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في هذا المسار التوثيقي عبر تسليط الضوء على الخسارات المركبة. تركز هذه التقارير على انتهاكات الخصوصية ومعاناة الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن أو يعشن تحت وطأة الانهيار النفسي. إن ربط هذه التجارب الفردية بالسياق الحقوقي العام يساهم في بناء ملفات قانونية تدين ممارسات الاحتلال أمام المجتمع الدولي.
امتد هذا الحراك التوثيقي إلى الفضاء الرقمي والصوتي عبر مبادرات دولية مثل بودكاست ‘أصوات من غزة’. تسعى هذه المنصات لربط شهادات الفتيات والنساء بالقانون الدولي واتفاقية منع الإبادة الجماعية. وبذلك، تتحول الشهادة الشخصية إلى أداة قانونية وسياسية تهدف إلى تغيير زاوية الفهم العالمي لما يحدث في القطاع المحاصر.
تؤكد المصادر أن دور المرأة في غزة انتقل من الرعاية التقليدية إلى قيادة معركة البقاء اليومي في الخيام ومراكز الإيواء. فبعد تدمير المنازل، باتت المرأة هي المسؤولة عن تدبير شؤون الطبخ والغسل والبحث عن الماء والحطب في ظروف قاسية. هذا العبء الثقيل يضع النساء في مواجهة مباشرة مع تداعيات الحرب، ويجعلهن الحصن الأخير لحماية النسيج الاجتماعي من التفكك.
إن مقالة ألفت الكرد والجهود المرافقة لها تعيد التأكيد على أن صوت المرأة الفلسطينية ليس مجرد نداء للاستعطاف، بل هو وسيلة لتوسيع عدسة الرؤية. فالحرب لا تُفهم فقط من خلال عدد الشهداء، بل من خلال سؤال الحياة التي تُنتزع ممن بقوا أحياء. إن الاستماع لهذه التفاصيل هو الطريق الوحيد لإدراك حجم الجريمة التي تُرتكب بحق الإنسان والكرامة في قطاع غزة.













