فجرت تصريحات السفير الأمريكي لدى سلطات الاحتلال، مايك هاكابي، موجة عارمة من الغضب الدبلوماسي والشعبي، عقب إعلانه الصريح عن تأييد أطماع الاحتلال في التوسع الجغرافي. واعتبر هاكابي أن سيطرة الكيان الصهيوني على أراضٍ تتبع لثماني دول عربية، كلياً أو جزئياً، تمثل ‘حقاً توراتياً’ غير قابل للنقاش. وقد أكد السفير في حديثه لصحفي أمريكي أنه لا يمانع في رؤية مشروع ‘إسرائيل الكبرى’ يتحقق من النيل إلى الفرات، وهو ما اعتبره مراقبون ضوءاً أخضر أمريكياً لمشاريع الضم والتهجير.
وفي رد فعل سريع، أدانت 14 دولة عربية هذه التصريحات العدائية، وانضمت إليها منظمات إقليمية كبرى مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي. وشددت هذه الجهات في بياناتها على أن مثل هذه المواقف تضرب عرض الحائط بالقانون الدولي والالتزامات الأمريكية السابقة تجاه حل الدولتين. كما وصفت التصريحات بأنها اعتداء سافر على سيادة دول المنطقة وتهديد مباشر للأمن القومي العربي الجماعي، محذرة من تداعيات هذا الخطاب المتطرف.
وتشمل خارطة الأطماع التي أشار إليها السفير الأمريكي كلاً من فلسطين ولبنان وسوريا والأردن والكويت بشكل كامل، بالإضافة إلى مساحات شاسعة من الأراضي السعودية والمصرية والعراقية. ويرى محللون أن هذا التصريح ليس معزولاً، بل يأتي ضمن سياق متصاعد من التصريحات الصهيونية والأمريكية التي تروج لتغيير خارطة الشرق الأوسط. ويبرز هنا التخوف من تحول هذه الأوهام ‘التوراتية’ إلى سياسات واقعية مدعومة من القوى الكبرى في واشنطن.
التصريحات الأخيرة تعيد إلى الأذهان ما قاله رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في أغسطس 2025، حين أكد ارتباطه بمهمة ‘تاريخية وروحية’ تتعلق برؤية إسرائيل الكبرى. ورغم أن تصريحات نتنياهو قوبلت حينها بردود فعل عابرة، إلا أن تكرار ذات المضمون على لسان السفير الأمريكي الحالي يعكس توجهاً مؤسسياً داخل إدارة ترامب. ويبدو أن الاحتلال يسعى لاستغلال الظروف الراهنة لتنفيذ ما يسميه نتنياهو باستمرار ‘تغيير وجه المنطقة’ عبر القوة العسكرية والغطاء السياسي الدولي.
لا مانع لو أخذوا كل ذلك؛ إن إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات حق توراتي لليهود.
من جانب آخر، تبرز المفارقة في الصمت المطبق الذي تلتزم به الإدارة الأمريكية تجاه تصريحات سفيرها، حيث لم يصدر أي تعقيب رسمي يصحح أو ينفي هذه المواقف. هذا الصمت يراه الكثيرون دليلاً على الرضا والقبول، خاصة وأن الرئيس ترامب نفسه كان قد صرح في فبراير 2025 بأن مساحة إسرائيل ‘صغيرة جداً’ ويجب العمل على توسيعها. هذه المعطيات تدحض ادعاءات بعض الأطراف العربية التي حاولت تصوير تصريح هاكابي كوجهة نظر شخصية لا تعبر عن الموقف الرسمي للبيت الأبيض.
وتتعالى الأصوات المحذرة للقادة العرب، ولا سيما في دول الجوار، بضرورة التعامل بجدية قصوى مع هذا الخطر الداهم الذي يتجاوز حدود فلسطين المحتلة. إن الرهان على اتفاقيات التطبيع أو الوعود الدبلوماسية لن يحمي العواصم العربية من أطماع الاحتلال التي لا تعترف بالعهود والمواثيق. فالتاريخ والواقع يثبتان أن الاحتلال يستخدم هذه الاتفاقيات كفترات استراحة للتفرغ لقضم الأراضي الفلسطينية وتصفية القضية، قبل الانتقال إلى المرحلة التالية من التوسع الإقليمي.
وفي ظل هذا التهديد الوجودي، تبرز المقاومة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية كخط الدفاع الأول والأساسي عن الأمن القومي العربي برمته. إن دعم صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته لم يعد مجرد واجب قومي أو أخلاقي، بل هو مصلحة استراتيجية عليا لدول الجوار لمنع تمدد المشروع الصهيوني. وبدون استفاقة عربية شاملة تراجع سياسات الانبطاح، فإن المنطقة ستواجه خطر الابتلاع التدريجي تحت مسمى ‘إسرائيل الكبرى’ التي بدأت ملامحها تظهر بوضوح في الخطاب السياسي الأمريكي-الصهيوني.













