تتأهب القوات البحرية الملكية البريطانية لإطلاق عملية عسكرية محتملة تهدف إلى تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أكثر الممرات المائية حيوية لنقل الطاقة في العالم. تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد حدة التوترات العسكرية الناتجة عن المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مما أثار مخاوف دولية من تعطل إمدادات النفط والغاز العالمية.
وعلى متن سفينة الإمداد الملكية ‘لايم باي’ الراسية حالياً قبالة سواحل جبل طارق، ينتظر مئات البحارة البريطانيين الأوامر النهائية للتحرك نحو منطقة الخليج العربي. ومن المتوقع أن تقود لندن وباريس مهمة دولية مشتركة تهدف إلى ضمان عبور السفن التجارية بسلام عبر المضيق الذي شهد اضطرابات واسعة خلال الأشهر الماضية.
وزير القوات المسلحة البريطاني، آل كارنز، قام بزيارة ميدانية للاطلاع على التجهيزات العسكرية واللوجستية للسفينة، مؤكداً أن الجاهزية بلغت مستويات متقدمة. وشملت التجهيزات تحميل كميات كبيرة من الذخائر وطائرات مسيرة بحرية متطورة مزودة بأنظمة سونار قادرة على كشف الألغام البحرية في أعماق مختلفة.
ووفقاً للخطط العسكرية المسربة، فمن المقرر أن تغادر السفينة ‘لايم باي’ موقعها قريباً لتلتحم بالمدمرة البريطانية ‘دراغون’ ومجموعة من السفن الحليفة. وسيشكل هذا الأسطول قوة مهام خاصة تعبر قناة السويس باتجاه الخليج لتقديم الدعم الفني واللوجستي اللازم لأي عمليات تطهير للممر المائي من التهديدات البحرية.
تأتي هذه الاستعدادات في وقت يمارس فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضغوطاً متزايدة على الحلفاء الأوروبيين، مطالباً إياهم بتحمل مسؤولية أكبر في حماية مصالحهم النفطية. وكان ترمب قد انتقد صراحة ما وصفه بضعف المساهمة العسكرية للحلفاء في مواجهة التهديدات الإيرانية التي تستهدف حركة التجارة العالمية.
وعلى الرغم من إشارة ترمب إلى أن الاتفاق السياسي مع طهران قد أُنجز معظمه، إلا أن التفاصيل النهائية لا تزال عالقة بانتظار مشاورات مع إسرائيل والشركاء الإقليميين. ويبقى الوضع الميداني في مضيق هرمز متأزماً منذ اندلاع المواجهات المسلحة في فبراير الماضي، حيث فرضت طهران قيوداً مشددة على حركة الملاحة.
وأفادت مصادر مطلعة بأن الحصار الفعلي للمضيق أدى إلى شلل كبير في حركة نقل الأسمدة والغاز الطبيعي، مما تسبب في قفزات حادة بأسعار الطاقة عالمياً. وأكدت التقارير أن أكثر من 6000 سفينة تجارية مُنعت من المرور منذ بدء الأزمة، مما كبد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة وأربك شركات التأمين الدولية.
شركات التأمين البحري تحتاج إلى يقين كامل قبل السماح للسفن التجارية بالعودة إلى العبور الطبيعي عبر المضيق.
من جانبها، حذرت القائدة جيما بريتون، المسؤولة عن وحدة استغلال الألغام في البحرية الملكية، من تعقيد الترسانة البحرية التي قد تكون إيران قد نشرتها في المنطقة. وأوضحت أن الألغام الحديثة تعمل بتقنيات متطورة تعتمد على الصوت أو الحركة أو الضوء، مما يجعل عملية اكتشافها وتفكيكها تحدياً تقنياً كبيراً.
وتعتمد الاستراتيجية البريطانية لمواجهة هذه التهديدات على استخدام أنظمة ذاتية التشغيل ومركبات يتم التحكم بها عن بُعد لمسح قاع البحر بدقة عالية. وتهدف هذه التقنيات إلى تفجير الأجسام المشبوهة دون الحاجة لإرسال غواصين بشريين إلى مناطق الخطر، مما يقلل من احتمالية وقوع خسائر في الأرواح.
وحددت القيادة العسكرية البريطانية أولوياتها في المرحلة الأولى بفتح ممر آمن يسمح بخروج نحو 700 سفينة تجارية عالقة حالياً داخل مياه الخليج. وبمجرد تأمين خروج هذه السفن، ستبدأ المرحلة الثانية التي تهدف إلى إنشاء مسار آمن ومستدام للسفن القادمة من الخارج لضمان استمرارية سلاسل التوريد.
ورغم هذه التحضيرات المكثفة، إلا أن الحكومة البريطانية لم تعلن رسمياً حتى الآن عن موعد بدء العمليات، مشيرة إلى أن التحرك العسكري يظل مرتبطاً بمسار المفاوضات السياسية. ويسود حذر شديد في الأوساط الدبلوماسية اللندنية لتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى انفجار الموقف بشكل غير محسوب.
في المقابل، نقلت مصادر صحفية عن مسؤولين أمريكيين قولهم إنه لم يتم رصد وجود فعلي للألغام البحرية حتى هذه اللحظة، رغم التهديدات الإيرانية المستمرة. ومع ذلك، فإن مجرد التهديد بوجودها كان كافياً لترهيب شركات الشحن ورفع تكاليف التأمين إلى مستويات غير مسبوقة، مما استدعى هذا الاستنفار الدولي.
وشدد الوزير كارنز على أن الهدف من المهمة البريطانية ليس عسكرياً بحتاً، بل يهدف إلى استعادة ‘اليقين الكامل’ لدى قطاع الشحن التجاري العالمي. وأوضح أن عودة الملاحة إلى طبيعتها تتطلب إثباتات ملموسة على خلو الممر من أي مخاطر، وهو ما تسعى البحرية الملكية لتوفيره عبر تقنياتها المتطورة.
ويبقى الترقب سيد الموقف في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج للمفاوضات التي يقودها البيت الأبيض مع الأطراف المعنية. وفي غضون ذلك، تظل السفينة ‘لايم باي’ وطاقمها في حالة تأهب قصوى، مستعدة للإبحار في أي لحظة لتنفيذ المهمة التي قد تعيد الاستقرار لأهم شريان طاقة في العالم.













