تتجه أنظار صناع السينما والجمهور العالمي نحو ساحل الليدو في مدينة فينيسيا الإيطالية، ترقباً لانطلاق الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في سبتمبر المقبل. وتتميز هذه النسخة بحضور عربي لافت يتصدره الهم الفلسطيني، حيث تتقاطع الرؤى الفنية لتوثيق الواقع الإنساني المرير في المنطقة العربية.
وصف المدير الفني للمهرجان، ألبيرتو باربيرا، هذه الدورة بأنها الأكثر تسييساً وانحيازاً للواقع المعاش، مشيراً إلى أن السينما العربية تبرز كقوة توثيقية قادرة على معالجة قضايا الحرب والهوية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه المهرجانات الدولية لمواكبة التحولات الجيوسياسية الكبرى من خلال الفن السابع.
في مقدمة المشاركات الفلسطينية، يبرز الفيلم الوثائقي ‘المواطن أسامة’ للمخرج أحمد حسونة، والذي يشارك في قسم ‘خارج المسابقة’. الفيلم الذي يمثل إنتاجاً مشتركاً بين فلسطين وفرنسا، يقدم شهادة حية صُورت تحت وطأة الحرب في شمال قطاع غزة، موثقاً تفاصيل الصمود اليومي.
يتناول العمل تجربة مصور سينمائي يدعى أسامة، يجد نفسه في صراع مرير بين واجبه المهني في توثيق الدمار وبين مسؤوليته الأبوية لحماية عائلته. ويعد هذا الظهور إضافة هامة لمسيرة حسونة الذي عرف بأعماله الوثائقية التي تجوب المهرجانات الدولية حاملةً صوت الضحايا.
وضمن قسم ‘أضواء على فينيسيا’، يشارك المخرج الفلسطيني مؤيد عليان بفيلمه الروائي ‘حوار مع البحر’. تدور أحداث الفيلم في مدينة القدس المحتلة، حيث يستعرض رحلة رجل مسن يواجه تعقيدات البيروقراطية والحداد بعد فقدان ابنه، في معالجة سينمائية عميقة للذاكرة الفلسطينية.
السينما العراقية تسجل حضورها أيضاً عبر المخرج هلكوت مصطفى وفيلمه التشويقي ‘لا فردوس إن قُتلت بفرس امرأة’. الفيلم المستوحى من أحداث حقيقية يتتبع قصة قناصة كردية في الموصل، مستعرضاً الصراع النفسي والميداني ضد تنظيم داعش في قالب درامي مثير.
هذه الدورة هي الأكثر تسييساً وانحيازاً للواقع، والسينما العربية تثبت قدرتها على تفكيك تعقيدات المنطقة.
وفي المسابقة الرسمية، تبرز المخرجة الدنماركية ذات الأصول المصرية مي الطوخي بفيلمها ‘امرأة مجهولة’، لتكون الصوت النسائي الوحيد المنافس على جائزة الأسد الذهبي. يقدم الفيلم دراما تشويقية حول قاضية في كوبنهاغن تواجه ملفات فساد سياسي وعائلي شائكة.
أثار غياب المخرجات عن المنافسة الرسمية جدلاً واسعاً، حيث أعرب باربيرا عن قلقه من تراجع نسبة الأفلام النسائية المقدمة للمهرجان. وأكدت إدارة المهرجان أن الاختيارات تمت بناءً على معايير الجودة الفنية الصارمة، بعيداً عن أي نظام للمحاصصة الجندرية.
من لبنان، يشارك المخرج رامي كديح بفيلمه ‘الغاضبات’، الذي يسلط الضوء على تداعيات الأزمة المصرفية اللبنانية. يتناول الفيلم قصة شقيقتين تحاولان استعادة أموالهما المنهوبة من البنك لتغطية تكاليف طبية طارئة، في انعكاس مباشر للواقع الاقتصادي المتردي.
كما تشهد مسابقة الأفلام القصيرة العرض العالمي الأول لفيلم ‘لحظات قليلة من السعادة’ للمخرجة شادن صفي الدين تازي. يعالج الفيلم قضايا الشتات النفسي للمغتربين العرب الذين يتابعون مآسي أوطانهم عبر الشاشات، في محاولة لفهم حالة الانفصام التي يعيشونها.
وعلى صعيد لجان التحكيم، تم اختيار المخرجة التونسية كوثر بن هنية كعضو في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية. ويأتي هذا الاختيار بعد النجاح الكبير الذي حققته بن هنية في الدورة السابقة، مما يعزز من مكانة السينمائيين العرب في مراكز صنع القرار الفني.
ختاماً، يفتح المهرجان الباب أمام التكنولوجيا الحديثة بعرض أفلام منفذة بواسطة الذكاء الاصطناعي، مثل الفيلم الإيطالي ‘كن شجاعاً’. وتستمر منصة ‘فاينال كات’ في دعم المشاريع العربية قيد الإنتاج، مما يضمن استمرارية الحكاية العربية في المحافل الدولية الكبرى.













