تآكل الصلاحيات والشرعية: السلطة الفلسطينية في مواجهة الإدارة المدنية الجديدة

13 يونيو 2026آخر تحديث :
تآكل الصلاحيات والشرعية: السلطة الفلسطينية في مواجهة الإدارة المدنية الجديدة

منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، مارست إسرائيل سيطرتها عبر الحاكم العسكري والأوامر المباشرة، قبل أن تحاول الالتفاف على المؤسسات الوطنية الفلسطينية عبر مشاريع مثل ‘روابط القرى’ في السبعينيات. ومع فشل هذه المحاولات، أسس الاحتلال ‘الإدارة المدنية’ عام 1981 لتكون الذراع المدني للجيش في إدارة شؤون السكان الفلسطينيين.

جاء اتفاق أوسلو عام 1993 ليؤسس سلطة حكم ذاتي مؤقتة لفترة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات، معتبراً الضفة وغزة وحدة ترابية واحدة. ورغم انقضاء هذه الفترة دون تجديد رسمي، استمرت السلطة في ممارسة مهامها المحدودة في مجالات الصحة والتعليم والشرطة، بينما احتفظ الاحتلال بالصلاحيات السيادية والتشريعية.

تؤكد الوقائع القانونية أن الصلاحيات التي نُقلت للسلطة كانت مستمدة من القرار العسكري الإسرائيلي رقم (7) لعام 1995، وهو ما جعل وجودها مرتبطاً بالإرادة العسكرية للاحتلال. ومع صعود اليمين الإسرائيلي، بدأت حكومات نتنياهو المتعاقبة في خطة ممنهجة لإلغاء مفاعيل أوسلو وتقويض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة.

شهد عام 2002 تحولاً جذرياً بإعادة تفعيل الإدارة المدنية وتجاوز لجان الارتباط المشتركة، وصولاً إلى عام 2018 حيث وُسعت صلاحياتها لتصبح المرجع المباشر للسكان. هذا المسار استكمل في عام 2023 بتعيين وزراء من المستوطنين للإشراف المباشر على شؤون الضفة الغربية، مما أنهى عملياً دور السلطة كواجهة سياسية.

في خطوة هي الأخطر منذ عقود، أصدرت الحكومة الإسرائيلية في فبراير 2026 القرار رقم 3559، الذي يقضي بإعادة تسوية وتسجيل الأراضي في المناطق المصنفة ‘ج’. هذا القرار يلغي اعتراف الاحتلال بسلطة الأراضي الفلسطينية، ويخرج مساحات شاسعة من نفوذ السلطة لصالح المشروع الاستيطاني المباشر.

ترافق هذا التغول الإسرائيلي مع أزمة شرعية داخلية حادة، حيث يرى قانونيون أن السلطة تفتقر لسند دستوري صلب في النظام الفلسطيني. فالمجلس المركزي الذي فوض إنشائها يُعتبر مؤسسة مؤقتة، كما أن غياب الانتخابات منذ عام 2006 أدى إلى تآكل الشرعية السياسية للمؤسسات القائمة.

زاد قرار حل المجلس التشريعي عام 2018 من تركيز السلطات في يد الرئاسة، التي باتت تحكم عبر ‘قرارات بقوانين’ تثير جدلاً قانونياً واسعاً. هذا الفراغ المؤسسي أضعف الموقف الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، وحول مؤسسات الدولة المدعاة إلى هياكل تفتقر للتمثيل الشعبي الحقيقي.

النشأة الحقيقية للسلطة كانت من القرار العسكري رقم (7) لعام 1995، الذي يعتبر بمثابة شهادة ميلادها الفعلية تحت مظلة الاحتلال.
على الصعيد الميداني، تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية لصالح السلطة، مما أفقد الفلسطينيين مظلتهم السياسية الجامعة في الشتات والداخل. ورغم الاعتراف الدولي الرمزي بدولة فلسطين، إلا أن الواقع على الأرض يظهر رفضاً إسرائيلياً مطلقاً للتعامل مع أي مسمى يتجاوز ‘السلطة الفلسطينية’ المحدودة.

تشير التقارير إلى أن استمرار وجود السلطة بات مرتبطاً بشكل وثيق بالخدمات الأمنية التي تقدمها للاحتلال، وهو ما يثير سخطاً شعبياً واسعاً. وتعتبر التنسيقات الأمنية في الضفة الغربية، ومنع ظهور حركات مقاومة مسلحة، الركيزة الأساسية التي تمنع الاحتلال من تفكيك السلطة بالكامل حتى الآن.

في قطاع غزة، غاب نفوذ السلطة الفعلي منذ عام 2007، ولم تنجح محاولات استعادة الوحدة الترابية التي نص عليها أوسلو. ومع اندلاع حرب الإبادة الأخيرة، ظهرت فجوة هائلة بين موقف القيادة الفلسطينية وتطلعات الشارع، خاصة مع استمرار ملاحقة المقاومين في الضفة الغربية.

عملية ‘حماية وطن’ التي نفذتها الأجهزة الأمنية عام 2024 كانت نقطة تحول في العلاقة مع الفصائل والشعب، حيث اعتبرت تعاوناً أمنياً مباشراً ضد المدنيين. هذه الممارسات أدت إلى سقوط الشرعية الشعبية للقيادة، التي باتت تُتهم بالانفصال عن الواقع المأساوي الذي يعيشه الفلسطينيون تحت القصف والحصار.

دوليًا، يتم تهميش القيادة الفلسطينية في المفاوضات الكبرى التي تخص مصير قطاع غزة ومستقبل الدولة المنشودة. وتجري هندسة حلول إقليمية ودولية تتجاوز السلطة، مما يضع حوالي 40% من الشعب الفلسطيني تحت منظومات إدارية هجينة تخدم المصالح الأمنية للاحتلال والقوى الدولية.

إن حالة الفراغ القانوني والسياسي التي تعيشها المؤسسات الفلسطينية هي نتاج سياسات داخلية وخارجية أدت لتدمير أدوات الشرعية. فالقيادة التي تقوض المؤسسات التي تستند إليها، تساهم في إلغاء أهليتها لتمثيل الشعب الفلسطيني أمام المحافل الدولية وفي مواجهة التحديات الوجودية.

في الختام، يرى مراقبون أن كل ما يصدر عن هيكلية فاقدة للأهلية القانونية والتمثيل الشعبي يعتبر باطلاً ولا يرتب التزامات وطنية. إن استعادة الحقوق الفلسطينية تتطلب إعادة بناء المرجعية الوطنية على أسس ديمقراطية وكفاحية، بعيداً عن ارتهانات الاتفاقيات التي مزقها الاحتلال فعلياً.