بيت إكسا.. حصار رباعي وسياسات تهجير صامتة تخنق القرية المقدسية

18 يونيو 2026آخر تحديث :
بيت إكسا.. حصار رباعي وسياسات تهجير صامتة تخنق القرية المقدسية

تقف قرية بيت إكسا، الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة القدس المحتلة، شاهدة على فصول قاسية من الحصار والعزل الممنهج. يواجه السكان هناك واقعاً مريراً يتمثل في تمزيق أنابيب المياه وتخريب الممتلكات على يد المستوطنين، في محاولة واضحة للتضييق على سبل العيش الأساسية.

يروي المواطن فهد أبو داهوك، أحد سكان التجمعات السكنية في البلدة، كيف تحولت حياتهم إلى سلسلة من المضايقات اليومية. ويشير إلى أن وتيرة هذه الاعتداءات تصاعدت بشكل ملحوظ منذ استقرار أحد المستوطنين في المنطقة، مما أدى إلى فرض قيود مشددة وملاحقات مستمرة للسكان.

لم تقتصر الاعتداءات على تخريب البنية التحتية البسيطة، بل امتدت لتشمل منع الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تُستخدم تاريخياً للرعي. هذه التلال المحيطة بالقرية باتت اليوم مناطق محظورة على الفلسطينيين، سواء كانوا مشاة أو برفقة مواشيهم التي تعد مصدر رزقهم الوحيد.

أفادت مصادر ميدانية بأن المستوطنين يمارسون بلطجة منظمة تحت حماية قوات الاحتلال، حيث تعرض رعاة الأغنام للضرب المبرح في حوادث متكررة. هذه الاستفزازات اليومية تهدف بشكل مباشر إلى كسر إرادة السكان ودفعهم نحو مغادرة المنطقة طوعاً تحت وطأة الترهيب.

تعيش المواشي في بيت إكسا حالة من الحصار تماثل ما يعيشه أصحابها، حيث باتت حبيسة الحظائر بعد إغلاق المراعي الطبيعية. هذا الإغلاق القسري أدى إلى ارتفاع حاد في تكاليف التربية نتيجة الاعتماد الكلي على الأعلاف المشتراة، مما يهدد الأمن الغذائي للعائلات.

يستذكر كبار السن في القرية نمط الحياة القديم الذي كان يعتمد على التنقل الموسمي بين بيت إكسا والأغوار بحثاً عن الدفء والكلأ. إلا أن سلطات الاحتلال قطعت هذا التواصل الجغرافي والاجتماعي منذ نحو 35 عاماً، مما أجبر العائلات على الاستقرار الدائم في ظروف معيشية تزداد صعوبة.

يرى الأهالي أن ما يحدث اليوم ليس مجرد حوادث متفرقة، بل هو جزء من مخطط استراتيجي أكبر لعزل القدس عن محيطها الفلسطيني. فالجدار الفاصل والمستوطنات المحيطة بالقرية حولتها إلى سجن كبير يفتقر لأدنى مقومات التواصل مع المراكز الحضرية القريبة.

قد نموت هنا، لكننا لن نرحل، وسنبقى صامدين في أرضنا مهما كانت الصعوبات.

خلال جولات ميدانية في المنطقة، رُصد وجود مسلحين يتبعون للمستوطنين يتجولون بحرية ويراقبون تحركات الفلسطينيين. وتتدخل الآليات العسكرية الإسرائيلية فوراً لتوفير الغطاء لهؤلاء المستوطنين، بينما تمنع الطواقم الصحفية من توثيق هذه الانتهاكات أو التصوير في المكان.

رغم كل هذه الضغوط، يتمسك سكان بيت إكسا بالبقاء في أرضهم ويرفضون فكرة الرحيل مهما بلغت التضحيات. يؤكد أبو داهوك أن الصمود في هذه الأرض هو معركة وجودية يومية، وأن الموت فوق التراب أهون عليهم من التهجير القسري مرة أخرى.

تعتبر بيت إكسا من أكثر القرى عزلة في محافظة القدس، حيث تطوقها المستوطنات والطرق الالتفافية من جهاتها الأربع. هذا الحصار الجغرافي جعل القرية معزولة تماماً عن امتدادها الطبيعي، مما أثر على كافة مناحي الحياة التعليمية والصحية والاقتصادية.

يضطر نحو ألفي نسمة، وهم سكان القرية الحاليون، إلى المرور عبر حاجز عسكري وحيد يمثل شريان الحياة الوحيد والضيق للقرية. وتخضع الحركة عبر هذا الحاجز لمزاجية جنود الاحتلال وإجراءات التفتيش المهينة التي تعطل وصول الطلاب والموظفين إلى مقاصدهم.

تشير المعطيات الرسمية لمجلس قروي بيت إكسا إلى فجوة هائلة بين المساحة التاريخية للقرية والمساحة المسموح للسكان باستخدامها. فمن أصل أكثر من 14 ألف دونم، لا يُسمح للفلسطينيين بالبناء أو التوسع العمراني إلا في مساحة ضيقة لا تتجاوز 650 دونماً.

إن سياسة خنق التوسع العمراني تهدف إلى منع النمو الطبيعي للسكان وتحويل القرية إلى معزل سكني مكتظ وغير قابل للحياة. وفي المقابل، تشهد المستوطنات المحيطة توسعاً مستمراً على حساب الأراضي المصادرة من أهالي القرية الذين يملكون أوراقاً ثبوتية بملكيتها.

يبقى واقع بيت إكسا نموذجاً مصغراً لما تعانيه القرى الفلسطينية في محيط القدس، حيث يجتمع جدار الفصل العنصري مع اعتداءات المستوطنين. وتستمر هذه المعاناة في ظل صمت دولي، بينما يواصل الفلسطينيون كتابة قصة صمودهم اليومي بأدوات بسيطة وإرادة صلبة.