كواليس بيان أمريكي «مجهض» ضد حظر منتجات المستوطنات بالضفة الغربية

24 سبتمبر 2026آخر تحديث :
كواليس بيان أمريكي «مجهض» ضد حظر منتجات المستوطنات بالضفة الغربية

كشفت مصادر مطلعة عن كواليس أزمة دبلوماسية صامتة داخل أروقة الإدارة الأمريكية، حيث أعد مسؤولون في القدس وواشنطن مسودة بيان شديد اللهجة لم يرَ النور. وكان من المفترض أن يصدر البيان باسم وزير الخارجية ماركو روبيو، للتنديد بقرارات اتخذتها بريطانيا وفرنسا وكندا تقضي بحظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة.

واعتبرت المسودة المسربة أن توجهات الدول الحليفة لواشنطن تمثل سلسلة من الإجراءات العدائية ضد إسرائيل، وذهبت إلى أبعد من ذلك بوصفها محفزة لمعاداة السامية. وأشارت الوثيقة التي تعود لتاريخ الثامن من سبتمبر الجاري إلى أن هذه الخطوات تتماشى مع استراتيجيات حركة المقاطعة الدولية (BDS) التي تعارضها واشنطن رسمياً.

وأفادت مصادر بأن المبادرة خلف هذا البيان جاءت من ديفيد ميلستين، وهو مساعد بارز للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، والمعروف بمواقفه المتشددة الداعمة للاستيطان. ويعكس هذا التحرك محاولة من الجناح الأكثر يميناً في الدبلوماسية الأمريكية لفرض إيقاع متشدد تجاه أي ضغوط دولية تمارس على المشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية.

ورغم نبرة البيان التصعيدية، إلا أنه واجه معارضة حاسمة من قبل البيت الأبيض وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية الذين رفضوا المصادقة عليه. ونتيجة لهذا الانقسام، اضطر وزير الخارجية ماركو روبيو إلى تغيير لهجته تماماً خلال تصريحات صحفية أدلى بها في فلوريدا، مكتفياً بالقول إن بلاده لن تحذو حذو المملكة المتحدة دون توجيه أي انتقاد مباشر.

تظهر هذه الواقعة اتساع الفجوة الأيديولوجية بين البيت الأبيض وفريق الدبلوماسيين الذين عينهم ترامب في إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بآلية التعامل مع توسيع المستوطنات. فبينما يتبنى السفير هاكابي خطاباً توراتياً يشرعن الاستيطان، يبدو أن مؤسسة الرئاسة تحاول الحفاظ على توازن دقيق يمنع صداماً مفتوحاً مع الحلفاء الأوروبيين.

ولا يقتصر الانقسام على الدوائر الرسمية، بل يمتد ليشمل القاعدة الشعبية للحزب الجمهوري، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تحول تدريجي في مواقف الشباب المحافظين. وبات الجيل الجديد من الجمهوريين يتبنى رؤى أكثر نقدية تجاه السياسات الإسرائيلية مقارنة بالأجيال الأكبر سناً التي لا تزال تقدم دعماً غير مشروط لتل أبيب.

وتشير البيانات الصادرة عن مركز بيو للأبحاث إلى أن نحو 57% من الجمهوريين دون سن الخمسين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، وهي زيادة ملحوظة مقارنة بالأعوام السابقة. هذا التحول الديموغرافي يفرض ضغوطاً إضافية على صناع القرار في واشنطن، الذين يجدون أنفسهم أمام قاعدة انتخابية لم تعد متماسكة خلف الموقف التقليدي الداعم للاحتلال.

هذه الخطط مستمدة على نحو غير مقبول من الاستراتيجيات المعادية للسامية كحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.
وفي سياق متصل، كان الرئيس دونالد ترامب قد ألمح في مناسبات سابقة إلى تحفظه على التوسع الاستيطاني المتسارع الذي تقوده حكومة بنيامين نتنياهو. وأكد ترامب في تصريحات سابقة أنه لن يسمح بضم الضفة الغربية بشكل رسمي، معتبراً أن ذلك قد يقوض فرص الاستقرار الإقليمي ويزيد من توتر العلاقات مع الدول العربية.

وعلى النقيض من ذلك، يبرز دور ديفيد ميلستين الذي دعا سابقاً لفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بسبب ملاحقتها للقادة الإسرائيليين بتهم جرائم حرب في غزة. هذا التباين في الرؤى داخل الإدارة الواحدة يعكس حالة من التخبط في رسم سياسة موحدة تجاه القضية الفلسطينية والملفات المرتبطة بها دولياً.

من جهتها، التزمت السفارة الأمريكية في القدس الصمت حيال هذه التسريبات، محيلة كافة الاستفسارات إلى وزارة الخارجية التي لم تصدر تعليقاً رسمياً حتى الآن. كما امتنع البيت الأبيض عن توضيح أسباب إجهاض البيان، مما يعزز فرضية وجود خلافات عميقة حول حدود الدعم الممنوح للحكومة الإسرائيلية اليمينية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصاعداً غير مسبوق في عنف المستوطنين ضد المواطنين الفلسطينيين، وسط اتهامات دولية للحكومة الإسرائيلية بتوفير الغطاء لهؤلاء. ورغم تنديد السفير هاكابي ببعض أعمال العنف، إلا أن مواقفه العامة تظل داعمة بقوة للوجود الاستيطاني الذي تعتبره الأمم المتحدة غير قانوني.

ويعيش في الضفة الغربية المحتلة حالياً نحو نصف مليون مستوطن في تجمعات سكنية تمزق الجغرافيا الفلسطينية وتعيق إقامة دولة متصلة. ويتمسك الفلسطينيون بمطالبهم بإقامة دولتهم المستقلة على حدود عام 1967، بما يشمل الضفة وغزة والقدس الشرقية، وهو ما يصطدم بالواقع الاستيطاني المتجذر.

ويرى مراقبون أن فشل صدور البيان الأمريكي يعكس إدراكاً داخل واشنطن لخطورة الانجرار خلف مواقف اليمين الإسرائيلي المتطرف في المحافل الدولية. فمواجهة دول مثل بريطانيا وفرنسا في ملف المستوطنات قد يؤدي إلى عزلة دبلوماسية أمريكية لا ترغب بها الإدارة الحالية في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة.

ختاماً، تبقى قضية المستوطنات حجر عثرة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، رغم التحالف الاستراتيجي المتين بين الطرفين. وتكشف الوثائق غير المنشورة أن الصراع على صياغة الموقف الأمريكي لا يزال محتدماً بين تيار يرى في إسرائيل حليفاً فوق النقد، وتيار آخر يخشى من تداعيات الانتهاكات الإسرائيلية على المصالح الأمريكية العليا.