أزمة السكن في القدس: عقارات بأسعار خيالية وسياسات هدم تلاحق الوجود الفلسطيني

26 سبتمبر 2026آخر تحديث :
أزمة السكن في القدس: عقارات بأسعار خيالية وسياسات هدم تلاحق الوجود الفلسطيني

يصطدم الشباب الفلسطيني في مدينة القدس المحتلة بواقع معيشي مرير، حيث تحولت أزمة السكن من مشكلة اقتصادية إلى تحدٍ وجودي يهدد استقرارهم داخل مدينتهم. وتتداخل في هذه الأزمة عوامل عدة، أبرزها الارتفاع الفاحش في أسعار العقارات التي وصلت لمستويات قياسية، إلى جانب الإيجارات التي تلتهم الجزء الأكبر من دخل الأسر المقدسية.

أفادت مصادر ميدانية بأن أسعار الشقق السكنية في أحياء القدس باتت تتراوح ما بين 500 ألف و900 ألف دولار أمريكي، وهو مبلغ يفوق القدرة الشرائية للغالبية العظمى من المواطنين. هذا الارتفاع الجنوني يتزامن مع متطلبات تعجيزية يفرضها أصحاب العقارات، مثل دفع إيجار عدة أشهر مقدماً، مما يغلق الأبواب أمام الأزواج الشابة.

يروي المقدسي مجاهد بدران، البالغ من العمر 30 عاماً، فصلاً من فصول هذه المعاناة، حيث يضطر للعيش مع زوجته وأطفاله الثلاثة في منزل والده المكتظ. وجاء هذا الانتقال القسري بعد أن أقدمت سلطات الاحتلال على هدم منزله الخاص في شهر مايو الماضي، تاركة إياه في رحلة بحث مضنية عن مأوى بديل.

ويشير بدران إلى أن تكلفة استئجار شقة بسيطة تتراوح حالياً بين 5 آلاف و8 آلاف شيكل شهرياً، وهو مبلغ يوازي تقريباً كامل دخله الشهري. ومع التزامات إعالة أسرة مكونة من خمسة أفراد وتغطية مصاريف التعليم والمعيشة، يصبح خيار الاستئجار ضرباً من المستحيل في ظل الظروف الراهنة.

لم تكن خسارة بدران مقتصرة على جدران المنزل، بل شملت ضياع مدخرات العمر التي استثمرها في البناء عام 2018، والتي تجاوزت 350 ألف شيكل. يضاف إلى ذلك دفع غرامات مالية باهظة لسلطات الاحتلال بدعوى البناء دون ترخيص، وهي مبالغ تبخرت تماماً بعد تنفيذ عملية الهدم.

ما أخشاه هو ألا يجد أطفالي مكاناً يعيشون فيه في القدس، بينما تبدو البدائل المتاحة محدودة ومكلفة للغاية.
وتزداد المخاوف لدى عائلة بدران مع اقتراب موعد تنفيذ قرار هدم آخر يستهدف منزل والده في شهر نوفمبر المقبل، مما يهدد بتشريد العائلة بأكملها. ويصف مجاهد هذا الوضع بأنه محاولة واضحة للتضييق على المقدسيين ودفعهم نحو خيارات قاسية، إما البقاء في العراء أو الهجرة خارج حدود المدينة.

من جانبه، أوضح الباحث في الشأن المقدسي راسم عبيدات أن هذه الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تقاطع تكاليف المعيشة المرتفعة مع سياسات التخطيط الإسرائيلية. وأكد عبيدات أن الحصول على رخصة بناء في القدس يعد معجزة تتطلب سنوات من الانتظار وتكاليف مالية باهظة لا يقوى عليها الشاب في مقتبل عمره.

وتشير التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن الفلسطينيين في القدس الشرقية يواجهون قيوداً بنيوية تمنعهم من التوسع العمراني الطبيعي. وقد سجلت المنظمات الحقوقية هدم نحو 170 منشأة فلسطينية منذ مطلع عام 2026 وحتى شهر أغسطس، بذريعة عدم الحصول على تراخيص بناء يصعب استصدارها أصلاً.

وتلجأ سلطات الاحتلال إلى تصنيف مساحات واسعة من أراضي القدس كـ ‘مناطق خضراء’ أو ‘أراضٍ مفتوحة’ لمنع الفلسطينيين من البناء عليها واستغلالها. هذه السياسة أدت إلى اكتظاظ سكاني خانق في الأحياء العربية، ودفع ببعض السكان للمخاطرة بالبناء غير المرخص كحل أخير لمواجهة أزمة السكن المتفاقمة.

ويحذر مراقبون من التداعيات الديموغرافية لهذه الأزمة، حيث يضطر العديد من الشباب المقدسي للانتقال إلى ضواحي المدينة أو خلف الجدار بحثاً عن سكن أرخص. هذا الانتقال القسري يهدد الهوية السكانية للقدس ويفرض ضغوطاً اجتماعية واقتصادية إضافية على المجتمع الفلسطيني الذي يحاول الحفاظ على وجوده في العاصمة.