تتجه أنظار المحللين السياسيين في الولايات المتحدة نحو فئة ديمغرافية صاعدة أُطلق عليها اسم ‘أمهات الأوفر تايم’، وهي شريحة من النساء العاملات اللواتي يضطررن للعمل لساعات إضافية لتأمين احتياجات أسرهن الأساسية. وتُشير التقارير إلى أن هذه الكتلة قد تكون العامل الحاسم في تحديد موازين القوى داخل الكونغرس خلال الانتخابات النصفية المرتقبة.
وبحسب تحليل ديمغرافي حديث، فإن هذه الفئة لا تلتزم بولاء حزبي ثابت، بل تتحرك بناءً على الضغوط الاقتصادية اليومية التي تواجهها. وتتصدر قضايا مثل أسعار المواد الغذائية وتكاليف الوقود وأعباء القروض السكنية قائمة أولوياتهن السياسية، مما يجعلهن هدفاً رئيسياً لحملات الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
تاريخ الانتخابات الأمريكية شهد ظهور تسميات مشابهة استهدفت فئات اجتماعية بعينها، ففي عام 1996 برز مصطلح ‘أمهات كرة القدم’ للإشارة إلى نساء الطبقة الوسطى البيض. وكانت تلك الفئة تهتم بشكل أساسي بقضايا التعليم والأمن، وشكلت حينها محوراً استراتيجياً في استراتيجيات المرشحين الرئاسيين.
وفي سياق متصل، ظهر مصطلح ‘آباء ناسكار’ خلال انتخابات عام 2004، وهو تعبير استهدف الرجال البيض من الطبقة العاملة في المناطق الريفية والجنوبية. هؤلاء الناخبون كانوا يميلون تقليدياً للتيار المحافظ، مما دفع الديمقراطيين آنذاك لمحاولة ابتكار خطاب سياسي يستقطب اهتماماتهم الثقافية والاقتصادية.
أما في الدورة الانتخابية لعام 2026، فإن التركيز ينتقل إلى النساء اللواتي يواجهن تحديات معيشية مباشرة، حيث تضع ‘واشنطن بوست’ هؤلاء النسوة في صدارة المشهد. وتعتبر هذه الشريحة أن الوعود السياسية يجب أن تترجم إلى تحسن ملموس في القدرة الشرائية وتخفيف الأعباء المالية عن كاهل الأسرة.
وتبرز حالة ‘جان هرناندز’ كنموذج مثالي لهذه الفئة، وهي سيدة من أصول لاتينية تعيش في مدينة صغيرة ولا تحمل مؤهلاً جامعياً. هرناندز تمثل صوتاً حرجاً، خاصة بعد أن منحت عملية إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية أهمية مضاعفة لصوتها وصوت أقرانها في المناطق المتنازع عليها.
أنا ناخبة وسطية، وما يشغلني هو ارتفاع أسعار البقالة وتكلفة الوقود وأعباء القروض العقارية أكثر من الصراعات الأيديولوجية بين الأحزاب.
تصف هرناندز نفسها بأنها ناخبة وسطية، حيث يظهر سجلها الانتخابي تنوعاً كبيراً في الاختيارات بين مرشحين ديمقراطيين ومستقلين. فقد سبق لها التصويت لباراك أوباما وجو بايدن، لكنها أيضاً منحت صوتها لمرشحة حزب الخضر جيل ستاين، مما يعكس عدم انتمائها المطلق لأي تيار.
وفيما يتعلق بموقفها من المرشحين الحاليين، تعبر هرناندز عن رفضها لعودة دونالد ترامب، معتبرة أنه يسعى لتحقيق مكاسب شخصية من السلطة. وفي المقابل، تبدي قلقاً واضحاً من تنامي نفوذ الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، واصفة بعض توجهاته بأنها متطرفة ولا تلامس واقعها.
هذا التردد بين القطبين السياسيين دفع الحملات الانتخابية إلى تغيير تكتيكاتها، حيث بدأت في تكثيف الإعلانات الموجهة باللغة الإسبانية. وتهدف هذه الخطوة إلى الوصول المباشر للناخبات اللاتينيات اللواتي يتشابهن مع هرناندز في الظروف المعيشية والاجتماعية الصعبة.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الاهتمام بالناخبين المتأرجحين وصل إلى مستويات قياسية، حيث يتم تحليل البيانات الديمغرافية بدقة متناهية. ويحاول كل حزب تقديم نفسه كمنقذ للطبقة العاملة من التضخم، مستخدماً لغة اقتصادية بسيطة تبتعد عن التعقيدات الأيديولوجية المعتادة.
إن ظاهرة ‘أمهات الأوفر تايم’ تعكس حالة من عدم الرضا العام عن الخطاب السياسي التقليدي في الولايات المتحدة. فهذه الفئة تشعر بأنها عالقة بين مطرقة العمل الشاق وساعات الإضافية، وسندان الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة التي لا تتوقف عن الصعود.
ويبقى السؤال المحوري قائماً مع اقتراب موعد الاقتراع: هل ستنجح الوعود الاقتصادية في حسم قرار هذه الكتلة النسائية؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد بشكل كبير هوية الحزب الذي سيسيطر على مقاليد الأمور في مجلس النواب الأمريكي للسنوات القادمة.













