أزمة اكتظاظ السجون في تونس: تحذيرات من ‘انفجار’ المنظومة ودعوات لتفعيل العقوبات البديلة

14 أكتوبر 2026آخر تحديث :
أزمة اكتظاظ السجون في تونس: تحذيرات من ‘انفجار’ المنظومة ودعوات لتفعيل العقوبات البديلة

تواجه المؤسسات السجنية في تونس تحديات كبرى جراء تفاقم ظاهرة الاكتظاظ التي بلغت مستويات قياسية خلال العامين الأخيرين. وأطلقت منظمات حقوقية نداءات استغاثة للتدخل العاجل، محذرة من أن استمرار هذا الوضع يهدد سلامة المحتجزين وكرامتهم الإنسانية بشكل مباشر.

وتشير البيانات الصادرة عن الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب إلى أن عدد النزلاء قفز من 23 ألفاً إلى نحو 33 ألف سجين، في حين أن القدرة الاستيعابية للمنشآت لا تتخطى 17 ألفاً. وهذا الفارق الشاسع جعل نسبة الإشغال تقترب من 200%، مما يعني أن السجون تعمل بضعف طاقتها القصوى.

وأفادت مصادر حقوقية بأن فصل الصيف الماضي شهد تسجيل حالات وفاة بين السجناء، أُرجعت أسبابها إلى موجات الحر الشديدة ونقص التهوية الكافية. وتتزايد المخاوف بشكل خاص على حياة كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة الذين يواجهون ظروفاً قاسية داخل الزنازين المكتظة.

من جانبه، اعتبر الحسين بوشيبة، رئيس الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية أن هذه الأزمة تحولت إلى مشكلة هيكلية تتطلب مراجعة شاملة للمنظومة السجنية. وأكد أن غياب التحديثات الدورية للبيانات الرسمية يعيق فهم الحجم الحقيقي للمأساة ويصعب من مهام الرقابة والتقييم.

وأوضح بوشيبة أن الاكتظاظ لا يؤثر فقط على السجناء، بل يمتد ليشمل العاملين في السجون الذين يواجهون ضغوطاً مهنية ونفسية متزايدة. كما أشار إلى أن هذه الظروف تؤدي حتماً إلى تراجع جودة الخدمات الصحية والنظافة، وتزيد من احتمالات وقوع حوادث العنف والتوتر.

وفي سياق متصل، شدد حقوقيون على ضرورة مراجعة سياسة اللجوء إلى السجن كحل أول، داعين إلى ترشيد السياسة الجزائية في البلاد. ويرى مراقبون أن التوسع في العقوبات البديلة أصبح ضرورة ملحة وليس مجرد خيار تكميلي لتخفيف الضغط عن المؤسسات الإصلاحية.

إعلانات

وتبرز المطالبات بضرورة مراجعة المرسوم 54 الذي أدى إلى زيادة عدد الموقوفين في قضايا تتعلق بحرية التعبير وأنظمة المعلومات. ويرى ناشطون أن الإفراج عن ‘سجناء الرأي’ والموقوفين في جنح بسيطة قد يساهم بشكل ملموس في خفض أعداد النزلاء وتوفير مساحات أفضل للبقية.

إن الحل يكمن في ترشيد السياسة الجزائية، عبر توسيع العقوبات البديلة، وتسريع البت في القضايا، واحترام الآجال المعقولة للمحاكمة.
وعلى الصعيد الصحي، حذر شكري لطيف، رئيس المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، من مخاطر تفشي الأمراض المعدية والجلدية داخل الزنازين المزدحمة. وأكد أن ضعف التهوية مع انقطاع التيار الكهربائي قد يؤدي إلى حالات اختناق وسكتات قلبية مفاجئة بين المحتجزين الأكثر عرضة للخطر.

وطالب لطيف بضرورة مواءمة القوانين التونسية مع المعايير الدولية، وتحديداً ‘قواعد نيلسون مانديلا’ التي تضمن الحد الأدنى لمعاملة السجناء. وأشار إلى أن الحق في الحياة والسلامة الجسدية هو حق أصيل لا يسقط بصدور أحكام قضائية سالبة للحرية.

وفي إطار الحلول المقترحة، دعا ائتلاف ‘أحرار’ البرلمان التونسي إلى تعديل المجلة الجزائية التي لم تشهد تغييرات جوهرية منذ عقود. واقترح الائتلاف تقليص مدد الإيقاف التحفظي التي قد تمتد لأكثر من عام، مما يساهم في تراكم القضايا وزيادة أعداد الموقوفين دون أحكام نهائية.

كما اقترح أحمد الهمامي، المتحدث باسم الائتلاف، استبدال العقوبات السجنية القصيرة (أقل من سنة) بأعمال للمصلحة العامة أو المراقبة الإلكترونية. وأكد أن بناء سجون جديدة ليس هو الحل الأمثل، بل يجب التركيز على إصلاح السياسة الجنائية وتفعيل آليات الرقابة الحديثة.

في المقابل، تؤكد وزارة العدل التونسية أنها بدأت بالفعل في تفعيل بعض العقوبات البديلة، حيث شملت هذه الإجراءات مئات الحالات حتى نهاية عام 2025. وتعمل الوزارة على استكمال الأطر القانونية واللوجستية لتوسيع استخدام السوار الإلكتروني كبديل فعال للاحتجاز التقليدي.

من جهتها، دافعت الهيئة العامة للسجون والإصلاح عن إجراءاتها، نافية وجود أي إهمال طبي متعمد بحق النزلاء. وأكدت الهيئة في تصريحات رسمية أنها تتخذ كافة التدابير اللازمة لمواجهة الظروف المناخية الصعبة وتوفير الرعاية الصحية اللازمة لجميع السجناء دون استثناء.

ويبقى الجدل قائماً بين الرواية الرسمية والتقارير الحقوقية، وسط دعوات دولية لتونس بضرورة تحسين ظروف الاحتجاز. وتظل آمال السجناء وعائلاتهم معلقة على سرعة تنفيذ الوعود الحكومية بتحديث المنظومة القانونية وتفعيل البدائل التي تضمن العدالة دون المساس بالكرامة.