يتجاوز إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعمه العلني لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حدود المساندة الانتخابية، ليعكس تداخلاً بين الحسابات السياسية والشخصية والمصالح الاستراتيجية، في ظل احتدام المنافسة على تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، خاصةً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع” القدس”، أن خطوة ترمب تستهدف تعزيز فرص نتنياهو، وحشد التيارات اليمينية والإنجيلية المؤيدة لإسرائيل، وتقديمه باعتباره الشريك الأقدر على ضمان استمرار التعاون مع واشنطن، خصوصاً في الملفات الأمنية والإقليمية، وفي مقدمتها المواجهة مع إيران، لكن تأثير التصريح انتخابياً قد يبقى محدوداً بفعل الاستقطاب الداخلي، فيما يظل احتمال تحوله إلى عبء على نتنياهو قائماً.
ويشيرون إلى أن تداعيات هذا الدعم لا تقتصر على المشهد الإسرائيلي، بل تمتد إلى الفلسطينيين، في ظل مخاوف من استمرار الاستيطان وتسارع الضم في الضفة الغربية وتصعيد العمليات العسكرية في قطاع غزة، بالتوازي مع احتمالات استئناف المواجهة مع إيران.
ترمب يحاول إنقاذ حليفه
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.عمر رحال أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انحيازه العلني إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية لا يتعلق بمجرد موقف انتخابي عابر، بل يعكس تدخلاً مباشراً في السياسة الداخلية الإسرائيلية بهدف إنقاذ حليفه، الذي يواجه معركة انتخابية صعبة، ويكشف تداخل المصالح الشخصية والحزبية والأيديولوجية بين الطرفين.
ويوضح رحال أن هذا التصريح يشير إلى تحول في طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، من شراكة سياسية وتحالف تقليدي بين دولتين إلى علاقة يظهر فيها دور الأشخاص ومصالحهم بصورة متزايدة، رغم أن العلاقات بين الجانبين تقوم أساساً على المصالح الاستراتيجية المشتركة، وليس على شخصيات بعينها.
نتنياهو وترمب والانتماء للمدرسة المحافظة
ويؤكد رحال أن ترمب ونتنياهو ينتميان إلى المدرسة المحافظة نفسها، التي تعطي الأولوية لمنطق القوة والأمن والتفوق العسكري على القانون الدولي، مشيراً إلى أن هذا التقاطع الأيديولوجي ينعكس على الحقوق الفلسطينية، إذ لا يرى الطرفان حقوقاً سياسية مشروعة للشعب الفلسطيني تستوجب احترامها.
ويبيّن أن ترمب يسعى، من خلال دعمه نتنياهو، إلى تعزيز موقع الجمهوريين وحشد تأييد التيارات الإنجيلية المسيحية والصهيونية والدوائر اليمينية والجماعات المؤيدة لإسرائيل، عشية الانتخابات النصفية الأمريكية.
كما يحاول ترمب وفق رحال، تحويل حضوره داخل إسرائيل إلى رصيد انتخابي لنتنياهو، انطلاقاً من اعتقاده بأن الملفات الأمنية ترتبط ببقائه في الحكم.
ويوضح رحال أن هذا الموقف رسالة ضغط مباشرة على الناخب الإسرائيلي، تتجاوز الأعراف السياسية والدبلوماسية التي درجت الإدارات الأمريكية على مراعاتها، ولا سيما تجنب التدخل العلني في الانتخابات الإسرائيلية.
ويرى أن التصريح يمثل هدية سياسية لنتنياهو في مواجهة المعارضة، ويتصل برغبة ترمب في تعزيز حضور الحكومات اليمينية المحافظة، التي يراها أقرب إلى توجهاته ومصالح الولايات المتحدة، وبأهداف تشمل إعادة تشكيل الشرق الأوسط وتوسيع التطبيع وتجاوز الحقوق المشروعة للفلسطينيين.
ويرجّح رحال أن يساهم دعم الرئيس الأمريكي في تعزيز فرص نتنياهو وإعادة إنتاج حكومة يمينية أكثر تشدداً، بما قد يقود إلى مزيد من الاستيطان والتصعيد ضد الفلسطينيين، وتعميق التنسيق بين واشنطن وتل أبيب بشأن الملفات الإقليمية.
تعميق الانقسام داخل إسرائيل
وفي المقابل، يوضح رحال أن ترمب قد يفشل في إنقاذ حليفه ويصعد ائتلاف بديل يختلف في أسلوبه، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييراً جوهرياً في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو في العلاقة مع الولايات المتحدة.
ووفق رحال، فإن احتمال أن يؤدي التدخل إلى تعميق الانقسام داخل إسرائيل وإحداث أزمة سياسية، أمر يعد أقل ترجيحاً.
ويلفت إلى أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ستظل وثيقة، أياً كانت الحكومة أو الشخصيات الحاكمة، لأنها تستند إلى مصالح وأبعاد استراتيجية، وإلى انسجام في الرؤى والأهداف والملفات الأمنية والإقليمية؛ فهناك ثوابت في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه دولة الاحتلال.
خطوة متوقعة
يرى الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن إعلان الرئيس ترمب دعمه المطلق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل تسعة أيام من الانتخابات، كان متوقعاً في ضوء التعاون الوثيق بين إدارته والحكومة الإسرائيلية، لا سيما بشأن الحرب على إيران والمفاوضات مع لبنان، مقابل غياب ضغوط أمريكية مؤثرة لوقف الحرب المتواصلة على قطاع غزة، والضم الفعلي في الضفة الغربية واعتداءات المستوطنين.
ويوضح شاهين أن المفاجأة لم تكن في الدعم نفسه، بل في تأخر إعلانه، رغم فترات الاستياء التي أظهرها ترمب إزاء نتنياهو، خصوصاً على خلفية الاتهامات بأن الأخير ورّط واشنطن في الحرب على إيران.
توقيت الإعلان
ويرى شاهين أن توقيت الإعلان قد يرتبط باستطلاعات إسرائيلية أظهرت تقارباً بين معسكر المعارضة بقيادة ايزنكوت ومعسكر الائتلاف الحكومي، ما دفع ترمب إلى محاولة تعزيز فرص نتنياهو في الحصول على مقاعد إضافية.
ويبين أن تفسيراً آخر يتعلق بتعثر الجهود الأمريكية الرامية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات، تضم نتنياهو وخصومه، بمن فيهم غانتس، وتستبعد شخصيات من اليمين المتطرف، وفي مقدمتها إيتمار بن غفير.
ويلفت شاهين إلى أن إعلان ترمب جاء بعد ساعات من موقف ايزنكوت الرافض للانضمام إلى حكومة برئاسة نتنياهو، بالتزامن مع تحذيرات من أقطاب في المعارضة، بينهم أفيغدور ليبرمان، من احتمال قيام تحالف بين الطرفين. وبحسب شاهين، ربما دفع تعثر هذا المسار الإدارة الأمريكية إلى إعلان دعم واضح لنتنياهو، مشيراً إلى أن ترمب ينظر إلى نتنياهو باعتباره شريكاً مفضلاً لاستكمال المواجهة مع إيران، مؤكداً أن المهمة لم تنته بعد، فيما تحدث نتنياهو، عقب الإعلان، عن هدف القضاء على النظام الإيراني، وليس الاكتفاء بإضعاف إيران أو تدمير برنامجيها النووي والصاروخي.
ما المقابل!
ويلفت شاهين إلى تباين التقديرات بشأن المقابل الذي قد يكون نتنياهو قدمه لترمب؛ إذ يرى بعضها أنه تعهد بعدم شن هجوم منفرد على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، فيما يذهب بعضها الآخر إلى احتمال أن يكون ترمب راغباً في تنفيذ إسرائيل ضربة واسعة بمفردها، على أن تتدخل واشنطن لاحقاً.
وفي ما يتعلق بالانتخابات، يرى شاهين أن تأثير التصريح قد يظل محدوداً، مع استقرار مواقف معظم ناخبي المعسكرين، وانحصار التأثير المحتمل في المترددين، ولا سيما داخل اليمين.
وقد يؤدي ذلك بحسب شاهين، إلى حصول نتنياهو على مقاعد إضافية، من دون أن يحسم قدرته على تشكيل الحكومة، كما قد يعيد توزيع الأصوات داخل معسكر الائتلاف، بما يؤثر في فرص أحزاب صغيرة بتجاوز نسبة الحسم، وأن حصولها على نحو تسعة مقاعد قد يأتي على حساب أحزاب يمينية، ولذلك يسعى نتنياهو إلى استقطاب ناخبيها وتقليص هدر الأصوات.
شخصنة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية
ويحذر شاهين من أن الإعلان يعكس شخصنة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، وربطها بصورة متزايدة بالعلاقة بين ترمب ونتنياهو، بما قد يؤثر في تعامل واشنطن مع أي رئيس حكومة إسرائيلي آخر. وإذا تعذر تشكيل حكومة جديدة وبقيت حكومة نتنياهو لأشهر إضافية، فقد تتعزز فرص التصعيد ضد إيران، بما يشمل استهداف منشآت نووية وصاروخية ومنشآت للطاقة.
ويؤكد شاهين أن التداعيات المحتملة تمس الفلسطينيين أيضاً، سواء عبر توسيع العمليات العسكرية في الأجزاء المتبقية من قطاع غزة، أو تصاعد اعتداءات المستوطنين وتسارع الضم في الضفة الغربية، وصولاً إلى مخاطر عملية عسكرية واسعة قد تشمل إخلاء مدن وتهجير سكان، وفق التهديدات الإسرائيلية التي أشار إليها.
دلالة سياسية أوسع
ويرى شاهين أن دعم ترمب لا يمثل مجرد مساندة انتخابية لنتنياهو، بل يحمل دلالة سياسية أوسع، تتمثل في توفير غطاء للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وكذلك للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وسورية وإيران.
عمق العلاقة بين ترمب ونتنياهو
يرى الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن إعلان ترمب انحيازه الكامل إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ودعوته الإسرائيليين إلى عدم انتخاب غيره، يحمل دلالات سياسية مهمة، تتعلق بعمق العلاقة بين الرجلين، مرجحاً أن يكون تأثير التصريح على نتائج الانتخابات الإسرائيلية محدوداً، في ظل حالة الاستقطاب الحادة بين الناخبين.
ويوضح أن الدلالة الأساسية للتصريح تتجاوز الحسابات الانتخابية، وتعكس متانة العلاقة الشخصية والسياسية بين ترمب ونتنياهو، معتبراً أن ذلك ينفي ما جرى تداوله سابقاً بشأن وجود خلافات وتوترات بينهما، أو تبادل الصراخ في إطار العلاقة بينهما.
ويرى دراغمة أن الرسالة الأبرز من موقف ترمب تتمثل في تأكيد عمق العلاقة بين الشخصين، قبل الانتقال إلى انعكاساتها المحتملة على المشهد الانتخابي الإسرائيلي.
تأثير على شريحة محددة من الناخبين
وفي ما يتعلق بالتأثير الانتخابي، يرجح دراغمة أن يقتصر أثر التصريح، إن ظهر، على شريحة الناخبين الإسرائيليين المترددين، الذين تقدر نسبتهم بنحو 5.2%، مشيراً إلى أن استطلاعات الرأي المنتظر صدورها خلال الأسبوع الحالي قد تكشف مدى تأثير الموقف الأمريكي في توجهاتهم.
ويشدد على أن التصريح لن يؤدي بالضرورة إلى تحولات واسعة في مواقف الناخبين، مستشهداً بتسريبات سياسية وأمنية شهدتها الأسابيع الماضية، من دون أن تترك أثراً كبيراً على انتقال الناخبين بين المعسكرات المتنافسة.
ويعتقد دراغمة أن حالة الاستقطاب القوية داخل المجتمع الإسرائيلي تحدّ من فرص حدوث انتقال ملموس من معسكر إلى آخر، الأمر الذي يجعل تأثير تصريحات ترمب على الانتخابات محدوداً، حتى مع وضوح دعمه لنتنياهو.
موقف ترمب لن يحدث نقلة نوعية
ويستبعد دراغمة أن يؤدي تصريح ترمب إلى تغيير جوهري في موازين القوى أو إلى نشوء سيناريو انتخابي جديد، مرجحاً استمرار معسكر نتنياهو بعيداً عن عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة، وفق ما تشير إليه استطلاعات الرأي، ما لم تحدث مفاجأة غير محسوبة.
ويرى دراغمة أن تغيير هذه المعادلة يظل مرتبطاً بحدوث تطور داخلي دراماتيكي قد يؤثر في الانتخابات، مؤكداً أن موقف ترمب لن يحدث نقلة نوعية في اتجاهات التصويت لمصلحة نتنياهو، وأن قيمته السياسية تبقى أكبر من تأثيره الانتخابي المباشر.
نتنياهو شخصية قريبة من ترمب
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د.سعد نمر أن انحياز ترمب إلى نتنياهو يعكس توافقاً في الرؤى والمصالح بشأن مستقبل منطقة الشرق الأوسط.
ويوضح أن ترمب يرى في نتنياهو شخصية قريبة من توجهاته، وأكثر قدرة على تنفيذ رؤيته للشرق الأوسط مقارنة بغيره من القيادات الإسرائيلية، حتى إن تشاركت معه بعض الأفكار، كما أن العلاقة الشخصية القديمة بين الرجلين تعزز هذا التقارب، لكن المصالح الاستراتيجية تبقى العامل الأساسي في دعم نتنياهو، الذي تتوافق طموحاته الإقليمية مع توجهات الإدارة الأمريكية.
ويعتبر نمر أن إعلان ترمب تأييده الصريح لنتنياهو يمثل تدخلاً مباشراً في الانتخابات الإسرائيلية، إذ يسعى إلى إظهاره باعتباره الأقرب إلى واشنطن، والأقدر على ضمان استمرار الشراكة معها خلال العامين المتبقيين من ولاية ترمب، بما يخدم المصالح الإسرائيلية والأمريكية.
الاستعداد لاحتمال استئناف الحرب على إيران
ويرجح نمر أن يكون دعم ترمب مرتبطاً بالاستعداد لاحتمال استئناف الحرب على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، موضحاً أن ترمب يتحدث عن هجوم واسع يعتقد أنه قد يؤدي إلى إخضاع طهران وإنهاء النظام الإيراني.
ويشير إلى أن نتنياهو ظل، خلال فترة الهدوء التي أعقبت الحرب التي استمرت نحو 40 يوماً، يدفع باتجاه استئناف المواجهة، مقدماً لواشنطن تصوره بأن مواصلة الهجمات قد تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني.
ويؤكد نمر أن إسرائيل بقيادة نتنياهو تبدو الحليف الأكثر استعداداً للمشاركة في هذا المسار، في ظل رفض دول غربية حليفة لواشنطن، بينها دول في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، الانخراط في مواجهة عسكرية مماثلة.
ويرى نمر أن ترمب يعتبر نتنياهو شريكاً مناسباً لتنفيذ هجوم جديد، في وقت تشير فيه الاستعدادات الإسرائيلية إلى وجود توافق بين الرجلين بشأن الضربة المقبلة.
توقيت مهم لترمب
ويلفت نمر إلى أن إجراء الانتخابات الإسرائيلية قبل الانتخابات الأمريكية يجعل دعم نتنياهو مهماً بالنسبة إلى ترمب، إذ إن عدم نجاحه قد يفرض على الرئيس الأمريكي التعامل مع رئيس حكومة جديد وإعادة بناء العلاقة معه، رغم اتفاق الأحزاب الإسرائيلية عموماً على أهمية مواجهة إيران من منظور الأمن الإسرائيلي.
ويؤكد نمر أن ترمب يسعى، من خلال دعمه نتنياهو، إلى ضمان وجود شريك ينسجم مع توجهاته الإقليمية، ويمكن الاعتماد عليه في أي مواجهة عسكرية مقبلة مع إيران، مرجحاً أن يكون الهدف من هذا الموقف تهيئة الظروف السياسية للتحرك الأمريكي الإسرائيلي بعد الانتخابات النصفية.
تداخل المصالح الاستراتيجية
يوضح الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن إعلان الرئيس ترمب انحيازه إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية لا يمكن اعتباره مجرد تفضيل شخصي أو مجاملة سياسية، بل ينبغي قراءته في سياق تداخل المصالح الاستراتيجية الأمريكية مع الحسابات الداخلية الإسرائيلية ومستقبل الحرب والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وطبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
ويبين الرجوب أن التصريح يعكس تدخلاً أمريكياً مباشراً في معادلة المنافسة الانتخابية الإسرائيلية، إذ يمنح تأييد الرئيس الأمريكي لمرشح بعينه وزناً يتجاوز التصريحات التقليدية، بالنظر إلى مكانة الولايات المتحدة بوصفها الحليف الاستراتيجي الأهم لإسرائيل.
وبحسب الرجوب، يمكن لنتنياهو توظيف هذا الدعم لتقديم نفسه باعتباره الأقدر على ضمان استمرار الشراكة مع واشنطن، وإحراج منافسيه عبر التشكيك في قدرتهم على إدارة العلاقة مع البيت الأبيض.
اعتبارات الأمن والاقتصاد
لكن الرجوب يشدد على أن الناخب الإسرائيلي تحكمه أيضاً اعتبارات الأمن والاقتصاد ومسؤولية الحكومة عن الإخفاقات السابقة، إلى جانب مستقبل الحرب وأداء المؤسسات السياسية، ما قد يجعل التدخل الخارجي عاملاً محفزاً لدى بعض الناخبين الرافضين له.
ويؤكد الرجوب أن الدعم الأمريكي يمنح نتنياهو رصيداً سياسياً في مواجهة خصومه، لكنه يعكس كذلك ارتباط المواقف الأمريكية بحسابات الأمن الإقليمي والتوازنات العسكرية ومواجهة الخصوم في المنطقة، وليس بمجرد الانسجام الشخصي والأيديولوجي بين الرجلين. كما يحمل التصريح وفق الرجوب، رسالة إلى المنطقة، قد تُقرأ فلسطينياً وعربياً باعتباره مؤشراً على استمرار الغطاء الأمريكي للسياسات الإسرائيلية، ويثير تساؤلات بشأن استعداد واشنطن لممارسة ضغوط فعلية على الحكومة الإسرائيلية، وما إذا كانت تسعى إلى تغيير السياسات أم إلى الإبقاء على قيادة قادرة على تنفيذ ترتيبات إقليمية تتوافق مع مصالحها. ويلفت الرجوب إلى أن الانتقال من دعم إسرائيل كدولة إلى تأييد نتنياهو شخصياً، وربط انتخاب قيادة أخرى باحتمال اضطرار واشنطن إلى مواجهة إيران وحدها، يمنح الموقف طابعاً ضاغطاً يتجاوز المجاملة الدبلوماسية.
ثلاثة مسارات محتملة
وفي شأن السيناريوهات المحتملة، يحدد الرجوب ثلاثة مسارات: أولها تعزيز فرص نتنياهو وإعادة إنتاج حكمه، عبر توظيف الدعم الأمريكي لحشد المترددين وتماسك قاعدته؛ وثانيها محدودية تأثير التصريح في موازين القوى، بسبب ارتباط المنافسة بثقة الناخبين بالقيادة وقدرة المعسكرات على تشكيل ائتلاف حكومي؛ وثالثها تحول التأييد الأمريكي إلى عبء انتخابي إذا اعتبره بعض الإسرائيليين مساساً باستقلال قرارهم، أو دليلاً على حاجة نتنياهو إلى دعم خارجي لتعويض تراجع الثقة الداخلية.
ويشير الرجوب إلى أن ترمب انتقل، قبل الانتخابات بتسعة أيام، إلى إعلان تأييد كامل لنتنياهو، واصفاً إياه بالقائد القوي والشجاع والشريك في مواجهة إيران، بعد فترة من التباينات بينهما بشأن ملفات إقليمية.
ويحذر الرجوب من اعتبار ذلك دليلاً على فوز نتنياهو أو قدرة واشنطن على التحكم بخيارات الناخبين، مؤكداً أن التدخل الأمريكي يستهدف التأثير في البيئة السياسية للانتخابات، لا ضمان نتائجها.
ربط الشراكة مرهون ببقاء نتنياهو
ويؤكد الرجوب أن أهمية الموقف تكمن في ربط مستقبل الشراكة الأمريكية الإسرائيلية ببقاء نتنياهو، فيما يبقى المعيار الأهم فلسطينياً هو ما إذا كانت الانتخابات ستفضي إلى تغيير فعلي في السياسات الإسرائيلية، أم ستعيد إنتاجها بقيادة مختلفة أو بالقيادة الحالية، في ظل استمرار البنية السياسية والأمنية التي تحكم القرار الإسرائيلي.
محاولة للتأثير في حسابات الناخب الإسرائيلي
يرى الكاتب والباحث المختص بالشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن إعلان الرئيس ترمب دعمه الصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتجاوز حدود التأييد الانتخابي التقليدي، ويأتي في توقيت حساس قبل الانتخابات الإسرائيلية، وسط منافسة على تشكيل الحكومة المقبلة، وبعد أشهر من التباينات بين الرجلين بشأن إدارة الحرب على إيران والترتيبات المتعلقة بقطاع غزة.
ويوضح مناع أن ترمب لم يكتف بإعلان دعمه الشخصي لنتنياهو، بل ربط مستقبل التعاون الأمريكي الإسرائيلي في مواجهة إيران بهوية رئيس الحكومة المقبل، ملمحاً إلى أن انتخاب شخصية أخرى قد يضطر واشنطن إلى تولي المواجهة بمفردها.
ويرى مناع أن ذلك يعكس محاولة للتأثير في حسابات الناخب الإسرائيلي، عبر تقديم استمرار نتنياهو في الحكم باعتباره ضمانة لمواصلة التعاون الأمني والسياسي بين الجانبين، ما يمنح نتنياهو فرصة لتعزيز صورته باعتباره الأقدر على إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، مستفيداً من علاقته المباشرة بترمب، خصوصاً في ظل الجدل الإسرائيلي بشأن المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر ونتائج الحروب.
ويسعى نتنياهو، وفق مناع، إلى تحويل النقاش الانتخابي من محاسبته على إخفاقات السنوات الماضية إلى قدرته على إدارة التهديدات المستقبلية، وفي مقدمتها إيران.
ترمب اختار الشخصية التي يعرفها
ويشير مناع إلى أن تأييد ترمب لا يعني تطابق مواقف الرجلين أو قبول واشنطن بجميع سياسات نتنياهو، مرجحاً أن يكون ترمب اختار الشخصية التي يعرفها وتربطه بها علاقة عمل طويلة، مع احتفاظه بأدوات الضغط بشأن إيران وغزة والتطبيع مع السعودية.
ويشدد ترمب على ضرورة التمييز بين دعم نتنياهو ودعم استمرار ائتلافه اليميني بالتركيبة نفسها، في ظل التباينات الأمريكية مع مواقف بعض شركائه، ومنهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
نتنياهو يحاول استثمار التدخل الأمريكي
ويشير مناع إلى أن نتنياهو يحاول استثمار التدخل الأمريكي في المرحلة الأخيرة من الحملة الانتخابية، فيما لا تحسم استطلاعات الرأي قدرة أي من المعسكرين على تشكيل حكومة مستقرة، وقد يعزز التصريح تعبئة أنصار الليكود ويؤثر في بعض المترددين، لكن انعكاساته على توزيع المقاعد تبقى غير محسومة، في ظل تأثير الأوضاع الاقتصادية والحروب والإخفاقات الأمنية والخلافات الداخلية.
محاولة توجيه البيئة السياسية للحكومة المقبلة
ويحدد مناع احتمالات المرحلة المقبلة بتشكيل نتنياهو حكومة جديدة مع شركائه من اليمين والأحزاب الدينية، أو توسيع ائتلافه ليشمل أطرافاً أخرى بما قد يتيح مرونة أكبر في التعامل مع الأولويات الأمريكية المتعلقة بإيران وغزة والتطبيع. وفي المقابل، يبقى احتمال تشكيل حكومة مناهضة لنتنياهو قائماً، رغم العقبات المرتبطة بتوزيع المقاعد وموقف أحزاب المعارضة من التعاون مع القوائم العربية، فضلاً عن احتمال استمرار الانسداد السياسي والذهاب إلى انتخابات جديدة.
ويشدد مناع على أن أهمية موقف ترمب لا تقتصر على تأثيره في نتائج الانتخابات، بل تمتد إلى محاولة توجيه البيئة السياسية للحكومة المقبلة، مؤكداً أن الاختبار الحقيقي سيكون في طبيعة الائتلاف الذي سيتشكل وقدرته على التوفيق بين مطالب الشركاء الداخليين والأولويات الأمريكية.
ويشير مناع إلى أن تغيير الحكومة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة تغيير سياساتها تجاه الفلسطينيين، في ظل اتساع الخلافات بين الأحزاب بشأن إدارة الصراع واستمرار التوجهات الأساسية.













