عدوى الشيروفوبيا

قراءة
أخر تحديث : الخميس 18 مايو 2017 - 10:25 صباحًا

​ بقلم رؤى الجبالي

في يومٍ ما سيقتحم حياتك إنسانٌ يختلف عن كل الذين مرّوا، اختلافاً تاماً، سيعيد إليك روحاً كنت تظنها بادت في غياهب الأرواح المحاط بها والتي جزمت مراراً أنها لا تقربك بشيء، إنسانٌ يرى الأشياء من منظورٍ مختلف ويجعلك تتعبد في معابد أفكاره؛ لأنها تشبه روحك التي ما زالت تحتضر حتى قدومه. فيحييها ويجعلها تلاحظ كل شيء من جديد، ويخيّل إليك أن بإمكانك الإبقاء على مسافة آمنة بينكما، ويخيّل إليك أن باستطاعتك أن تشق طريقك في خضم هذه الحرب الجميلة دون أن تستسلم، حتى تدرك، بغتة، أنه طَوَّح بك إلى العراء، ولا مفر من الهلاك به..

دوامة المتعة ستبدأ تشد أحدكم إلى الآخر، و تلك هي البداية فقط..

في جميع الأحوال ستتصرف وكأنه لم يطرأ شيء جديد، يمكنك أن تفعل ما تفعله دائماً، وتتظاهر بأن كل شيء عاديّ وطبيعيّ. لكن بمجرد أن تشعر بقربه منك لن تستطيع إلا أن تستلذ بذاك الوجع الحلو في قلبك، منذ أن تطأ عتبة هذه العلاقة ستظفر بعواطفك آبالسةٌ على هيئة كآبة واضطراب واشتياق لن تستطيع كبحها .لا أحد يعرف ذلك. حتى كاتم أسرارك لن يفهم هذا السر. لشدّ ما تكون بحاجة أن تفاتحه بذلك لكنك تخشى ابتعاده عنك.

ساقان يرتعشان وراحتان تنضحان عرقاً وأسناناً تصطك إلى حدٍ كاف لجعلك مجنوناً رسمياً، لكن لن يعد بإمكانك أن تفعل شيئا للحيلولة دون تصاعد حدة التوتر بعد ذلك، الحياة عادة تجلب المتاعب وبفطرتك ستعمل على التعايش معها لو أنها لم تك بالحسبان.

سيعتريك رهاباً شديداً من السعادة المؤقتة بقربه متأثراً بخوفه من تلك العلاقة ، من ابتعاده تارة واقتحامه قلبك تارة أخرى، سينقل لك العدوى، وآه لو كنت تعلم خطر وقوعك بتلك المكيدة منذ البداية لحاربتها، لتنازلت عنها لشخص أكثر قدرة على تحمل أهوالها، آه لو كنت تعلم قبل الغرق بكل هذا؛ لأخذت نفساً أعمق من الشجاعة، لربما ملت إلى جزئك الآخر المقاوم وابتعدت عن جزئك الضعيف وما يعقبه من اكتئاب وندم، لتساءلت هل ستختلف الأمور لو امتزجت التفاصيل بطريقة مختلفة في مكان أكثر لطفا.

و ما أن تفتح عينيك ستجد نفسك في أقصى الوسط كزهرة توليب في أرض بور، أو بيت شعر بلا وزن ضمن فلسفة شعرية شديدة الارتباط بالواقع ولا علاقة لها به. ستجد نفسك طرفاً من قصة حب مشوهة مع طرف ثان مؤمن بعدمية الحياة وعدم قدرته على الالتزام، ذي دم بارد بمشاعرك البريئة على أنه شيء خارج عن إرادته، لا يلبث أن يقصيك حتى يقربك. ومع هذا ستجد نفسك وحيداً ناقصاً، سيّان وجوده وهروبه.

صراعٌ داخليّ بين شعورك اللحظيّ بالمتعة وشعورك الأبديّ بالإنهاك والتعب، كرسم خطين مقوسين بظل العيون فالخط المرسوم على أحد الجفنين يخرج عن مساره فيبدو أثخن من الخط المرسوم على الجفن الآخر فمحاولة تعديل أحدهما لن تنجح غالباً والاستمرار برسمه سيشعرك بالألم. يوما بعد يوم ستنطفىء ولن تعد تنبض بالحيوية كما كنت سيهزل عمرك، وتعي أخيراً أنك ضحيةٌ لشخصية أبهرتك في البداية حتى تستحوذ انتباهك، ثم ما أن تحصل عليك فتبدأ بالتغيّر، وتلجأ للصمت، وما أن تعرب عن قلقك ستقنعك بأجوبة عميقة أُعدت سابقاً، ولن تأخذ منها لا حقا ولا باطل، ويبدأ الفتور يصيب العلاقة، والتملص منك في أشد وقت تكون أنت بحاجة لسند لك. في المقابل لن يسمح لك بالابتعاد عند حاجته إليك، مع محاولة إضفاء مسحة من العمق في تقديم أعذاره المعسولة.

ستبقى تلاحظ كل شيء بهدوء، ريثما يحين وقت انفجارك وتشعر بأن هذا الجحيم كثيراً على روحك. وستجري وتجري لاهثاً محترقاً من الداخل خائفاً من النظر إلى الوراء حيث لم تعد ترى شيئا أمامك سيتحول العالم إلى فراغ، لموتى وصمت؛ كل شيء آيل للسقوط، وبارد تماما كداخلك لا تشعر بحرارة الأشياء حولك، وسيحاول إيقافك مراراً ويشكو إليك تعبه في نأيك، ستعي أخيراً أن تلك الدوامة لا نهاية لها.

استجمع شجاعتك لمرة نهائية وانفض عنك تلك العلاقة المَرضيّة المُعديّة، حتى لو كان قد تبقى لك نفس وحيد اسرقه من رئتين حياتك، واشعر بالعافية من عدوى الشيروفوبيا وتأكد بأن لا وسيلة حتى يولد المرء في حياة جديدة إلا أن يموت قبل الموت، حينها فقط يتعين عليك تحريك جميع القطع التى ظننت أنها في مكانها الصحيح .. الأمن والروحانية والحب والأسرة والإيمان وتفكر مجدداً في معانيها. اسرق روحك من الموت وامضي في الحياة فَرِحاً مُرتاح البال، غير آبه بالفقد، قادر على الاستغناء، انقذ نفسك ولا تتورط مجددا..

رابط مختصر