الصهيونية السميكة والصهيونية الأقل سمكًا

في الانتخابات الإسرائيلية للكنيست الـ23، والتي جرت يوم الثاني من آذار الجاري، كان التنافس على أشده بين ثلاثة “تحالفات قبائل” رئيسة، هي التالية:

1) تحالف قبائل الصهيونية المحافظة قوميًا ودينيا (الصهيونية السميكة)، ذلك التحالف الذي يرأسه بنيامين نتنياهو والذي حاز على 58 مقعدا من أصل 120 مقعدًا (هي مجموع أعضاء الكنيست). يذكر أن غالبية اليهود السفارديم – الشرقيون – يدعمون هذا التحالف، والذي يدعمه أيضا يهود أشكناز، متطرفون قوميًا أو/و دينيًا.

2) تحالف قبائل الصهيونية الليبرالية (الصهيونية الأقل سمكا)، يمينا ووسطًا ويسارا. يذكر أن غالبية اليهود الأشكناز يدعمون هذا التحالف، بينما ينفر منه كثيرا المتدينون اليهود، صهيونيون وغير صهيونيين، أساسا بسبب التزاماته الليبرالية. ويرأس بيني غانتس هذا التحالف الذي حصل على 40 مقعدًا.

أما حزب “اسرائيل بيتينا” الذي يتزعمه ليبرمان، والذي حصل على 7 مقاعد، وتدعمه أساسا “القبيلة الروسية”، أي اليهود (وغير اليهود) الذين هاجروا من دول الاتحاد السوفييتي سابقا، فهو حزب يجمع بين التطرف القومي من جهة، والليبرالية الاجتماعية/ الفكرية من جهة أخرى. وهذا يفسر تأرجحه بين دعم هذا التحالف أو ذاك. فإذا كانت قوميته المتطرفة تدفعه نحو نتنياهو، فإن ليبراليته الاجتماعية/ الفكرية تدفعه نحو دعم غانتس.

3) تحالف القبائل الفلسطينية/ العربية، والذي تنضوي تحته الأحزاب الأربعة التي شكلت القائمة المشتركة لانتخابات آذار، كما قبل ذلك لانتخابات أيلول الماضي. هذا التحالف حاز على ما يقارب الـ90%؜ من أصوات الناخبين الفلسطينيين في إسرائيل، وذلك بعد أن ارتفعت نسبة التصويت لديهم لتصل إلى 65%؜ (ولم تصل تلك النسبة إلى 60%؜ في انتخابات أيلول). وقد صوت لصالح هذا التحالف ما لا يقل عن عشرين ألفا من الناخبين اليهود، المعادين للصهيونية أو القابعين على طرفها اليساري. هذا التحالف أفلح في الحصول على 15 مقعدًا من أصل 120، بعد أن أفلح في تخفيض نسبة تصويت الفلسطينيين للأحزاب الصهيونية إلى أقل من 13%؜، وقد كانت في حدود الـ30% في انتخابات أيلول المنصرم.

تحالف القبائل الفلسطينية هذا يتميز بالتالي عن تحالفات القبائل اليهودية:

أ) هو تحالف يحتضن التعددية الاجتماعية/ الفكرية والسياسية على السواء. إذ تحت سقف القائمة المشتركة ينضوي اليساري/الشيوعي والقومي العربي والإسلامي والليبرالي، تمامًا كما ينضوي تحت سقفها المسلم والمسيحي والدرزي واليهودي.

ب) هو تحالف خارج أي إجماع صهيوني، وخارج أي شراكة جدية في أي ائتلاف حكومي أيضا (هذا إذا استثنينا إمكانية الدعم من الخارج).

ج) وهو، ثالثًا، تحالف يهدف أساسا إلى تحقيق المساواة في الحقوق لفلسطينيي 48، إضافة إلى الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية وترقيتها.

بناء على هذا العرض لتحالفات ومنطلقات القبائل التي تنافست في الانتخابات التي جرت في الثاني من آذار، يمكننا استكناه المواقف المتباينة بشأن القضايا المركزية الثلاث التالية: تشكيل الحكومة القادمة؛ “صفقة القرن”؛ وضع فلسطينيي 48.

الحكومة القادمة

من الواضح الآن أن ما أعاق تشكيل ائتلاف حكومي في أيلول الماضي، ومن قبله في نيسان من العام الماضي، هو ذاته ما سيعيق تشكيل مثل هذا الائتلاف بناء على نتائج الانتخابات الأخيرة.

ما أعاق ويعيق (تشكيل الحكومة) هما أمران مترابطان: الأول، شخص نتنياهو وتهم الرشوة والفساد وخيانة الأمانة الموجهة ضده من قبل النيابة العامة.

أما الثاني، فهو تأرجح ليبرمان بين تأييد هذا التحالف أو ذاك، أساسا بسبب التوتر بين صهيونيته السميكة من جهة، وليبراليته الاجتماعية/الفكرية من جهة أخرى. فإذا كانت ليبراليته تنفره من المشاركة في ائتلاف حكومي يكون المتدينون ركنًا أساسا فيه، فإن صهيونيته السميكة تنفره من الائتلاف البديل بسبب اعتماد مثل هذا الائتلاف على دعم القائمة المشتركة أو غالبية نواتها.

أما تشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل الحزبين أو التحالفين الرئيسين، فلا يزال، وكما كان، متعسرا بسبب شخص نتنياهو وطبيعة التهم الموجهة ضده، خاصة إذا أخذنا بالحسبان أن سر وجود تحالف أحزاب الصهيونية الليبرالية هو التأكيد على الالتزام بقيم الليبرالية، وعلى رأسها سيادة القانون وتعزيز مكانة السلطة القضائية والتصدي للإكراه الديني الذي تمارسه الأحزاب الدينية مثل “شاس” و”يهدوت هتوراة”.

على ضوء ذلك، فإن بدائل تشكيل الحكومة هي التالية: إما حكومة وحدة وطنية بالتناوب، أو حكومة ضيقة برئاسة نتنياهو (ينضم إليها نواب متمردون من أحزاب أخرى)، أو حكومة ضيقة برئاسة غانتس وبدعم خارجي من القائمة المشتركة. الاحتمالات بين البدائل الثلاثة تبدو لي متساوية، لكن حياة أي من الاحتمالين الأخيرين، إذا تحقق، لن تكون طويلة. وفي جميع الأحوال، فإن شبح انتخابات رابعة ما زال يحلق في فضاء المجتمع السياسي في إسرائيل.

“صفقة القرن”

من النتائج الواضحة للانتخابات البرلمانية الأخيرة هو انهيار اليسار/ الوسط الصهيوني (ممثلا بحزبي “العمل” و”ميرتس”) من جهة، وانزياح المجتمع اليهودي في إسرائيل نحو اليمين واليمين المتطرف من جهة ثانية. واليمين الإسرائيلي بدوره، وبشقيه المحافظ (الصهيونية السميكة) والليبرالي (الصهيونية الأقل سمكا)، متحمس لـ”صفقة القرن” التي تم الكشف عنها في شهر كانون الثاني الماضي.

أما التباين بين الفريقين في هذا الصدد فمرده أمران: الأول ذو علاقة بالكم، والثاني ذو علاقة بالوضعية (modality). بكلمات أخرى، إذا كان نتنياهو وحلفاؤه يطمحون إلى الحد الأقصى من المكاسب التي تتيحها “صفقة القرن”، فإن غانتس وحلفاءه، على ما أعتقد، أقل “جشعا” بعامة، وأقل انجذابا لسلخ المثلث عن جسم الدولة بخاصة. وإذا كان نتنياهو وحلفاؤه ينزعون إلى التطبيق أحادي الجانب للصفقة بمباركة الإدارة الأميركية، فإن غانتس وحلفاءه يجنحون نحو تحقيق نفس الهدف أو ما يقارب ذلك عن طريق التفاوض.

ومن هنا، فإن تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة ضيقة برئاسة نتنياهو سوف يسرع عملية ضم الكتل الاستيطانية أساسا. أما حكومة ضيقة برئاسة غانتس، وبدعم خارجي من القائمة المشتركة، فلا تجرؤ على اتخاذ خطوة كهذه بشكل انفرادي.

فلسطينيو 48

ما يطمح إليه، ويناضل من أجله، هؤلاء الفلسطينيين هو المساواة في الحقوق، الفردية والجمعية، داخل دولة إسرائيل، وكذلك السلام بين الشعبين الفلسطيني واليهودي الإسرائيلي حسب مبادئ وقرارات الشرعية الدولية. والقائمة المشتركة، وليدة تحالف القبائل الفلسطينية داخل إسرائيل وذراعها البرلماني، تحتضن هذه الحقوق وتدافع عنها. وبحصولها على 15 مقعدًا نتيجة انتخابات آذار، فلقد أصبحت الكتلة الثالثة في البرلمان. ولهذا الإنجاز غير المسبوق تبعات بعيدة المدى على مستوى تشكيل الائتلاف الحكومي والعمل البرلماني، كما على مستوى تنظيم فلسطينيي 48، حماية هويتهم المميزة وقيادة نضالهم خارج أروقة البرلمان. وكما كان حماس فلسطينيي 48 للقائمة المشتركة غير مسبوق، فإن توقعاتهم منها غير مسبوقة أيضا.

وفي الإجمال، من نتائج الانتخابات، وعلى ضوء ما حصده كل من “تحالفات القبائل” المتنافسة، يمكن استنتاج التالي:

1) هناك انقسامان أو شرخان حادان في المجتمع السياسي في إسرائيل: واحد بين اليهود والفلسطينيين، والثاني بين الصهاينة المحافظين (دينيا وقوميا) والصهاينة الليبراليين (يمينًا ووسطًا ويسارا). هذان الانقسامان هما تحديدًا ما يعرقل ويعقد عملية تشكيل ائتلاف حكومي، وذلك إضافة إلى شخص نتنياهو والتهم الموجهة ضده.

2) لقد كشفت نتائج الانتخابات عن تداعي معسكر الوسط/ اليسار في إسرائيل، ممثلا بحزبي “العمل” و”ميرتس”. وهرب الناخبون التقليديون لكل منهما إما باتجاه حزب “كاحول لافان” (الأكثرية الساحقة) أو باتجاه القائمة المشتركة، تلك القائمة التي أصبحت حضنًا دافئًا لليسار غير الصهيوني وكذلك لليسار الحائم على طرف الصهيونية.

3) إن الخلاف بين أحزاب الصهيونية المحافظة وأحزاب الصهيونية الليبرالية (باستثناء “ميرتس”) لم يكن حول المواقف المتباينة من إدارة أو حل الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي. لقد كان الخلاف أساسا حول أمور ذات علاقة بديمقراطية الدولة وليبراليتها، مثل علاقة الدين بالدولة، مكانة السلطة القضائية، الإكراه الديني، وهكذا.

4) دلت نتائج الانتخابات الأخيرة على إصرار الفلسطينيين داخل إسرائيل على تصعيد النضال من أجل المساواة في الحقوق الفردية والجمعية، وذلك بقيادة قائمة موحدة ووازنة، تحتضن التعددية الفكرية والسياسية من جهة، وتتصدى بخطاب وبنبرة نضالية أعلى للقوانين والسياسات التي تجحف بحقوقهم وتحط من مكانتهم.

وختاما، نتائج الانتخابات في آذار لم تغير كثيرا من مشهد الاصطفاف الحزبي كما تجلى في الانتخابات السابقة في أيلول، وتلك التي سبقتها في نيسان من العام الماضي. وبالتالي، يظل شبح الانتخابات الرابعة محلقا في سماء إسرائيل، إلا إذا وجدت الصيغة السحرية لتشكيل حكومة وحدة وطنية بالتناوب، إذ أن حكومة ضيقة، إذا تم تشكيلها من قبل نتنياهو أو غانتس، لن تعمر طويلًا. أما القائمة المشتركة، وبفضل إنجازها غير المسبوق، فقد فرضت نفسها، خطابا وحضورًا برلمانيا/ سياسيا، خاصة على ضوء تداعي معسكر اليسار الصهيوني. وأخيرا، يبقى السؤال التالي مفتوحًا: هل وكيف سيؤثر انتشار وباء الكورونا في البلاد على تشكيل الحكومة القادمة؟