الثلاثاء , أكتوبر 26 2021

أنين الاقتصاد وشباب الغد

بقلم: الدكتور سعيد صبري*

الاحتلال يتسبب بـ 80% من الأزمة الإقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون، ونحن لا نستغل هامش الـ 20% بتوفير مشاريع إنتاجية تنموية تنقذ الشباب والاقتصاد الفلسطيني. ومن المتوقع ان ترتفع نسبة البطالة في عام 2021 حيث ستحلق فلسطين بأعلى مستوياتها التي قد تصل الى 31% مقارنة بالدول العربية الاخرى حيث قد تصل نسبة البطالة في الاردن وتونس الى (21%) بينما قد تصل في ليبيا الى(23%) في ظل الخناق على الاقتصاد العالمي وبسبب الإغلاقات المرتبطة في كوفيد-19.

وقال البنك الدولي في تقرير اصدره “حتّى قبل تفشّي وباء كوفيد-19، كان نحو ربع الفلسطينيّين يعيشون تحت خطّ الفقر، 53% من سكان غزّة و14% في الضفّة الغربيّة. وبحسب التقديرات الأوّليّة، سيرتفع عدد الأسر الفقيرة إلى 30% في الضفة الغربية وإلى 64% في غزّة. واكد البنك الدولي بتقريره ايضا “في هذه المرحلة، لا يُمكن معرفة الوقت الذي سيستغرقه الاقتصاد الفلسطيني للتعافي من تدابير الاحتواء”، بحسب ما يؤكّد البنك الدولي، محذراً من أن الاقتصاد قد ينكمش بنسبة 7,6% على الأقل إذا عادت الأوضاع الطبيعية تدريجيًا بعد حالة الاحتواء، وبنسبة تصل إلى 11% إذا كان الانتعاش الإقتصادي أبطأ أو فُرضت قيود إضافية”.

فاين نحن الآن من المستقبل؟ واين اقتصادنا في ظل المعطيات والتقارير الصادرة من الجهات الدولية؟ وهل الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية التي تم إعدادها سابقاً تتناغم مع المتغيرات التي فرضت نفسها في العالم وفلسطين؟ وهل التعليم المهني النافذة السحرية التي ستقلل نسبة البطالة؟

الاقتصاد الفلسطيني في أسوأ أوضاعه والوضع خطير جداً في أعقاب الأزمة الصحية والاقتصادية العالمية بعد اكثر من اربع فترات إغلاق والتي شهدناها بالعام الماضي وقبل ايام من هذا العام، كما نشهد تباطؤا اقتصاديا شديدا، وترافقه أزمات سياسية مع إسرائيل، مما ادى الى زيادة المديونية على السلطة الفلسطينية وتضاؤل القدرة الشرائية لدى الأفراد في السوق الفلسطيني، وزيادة في حجم العاطلين عن العمل من فئة الشباب الفلسطيني. وما زلنا متمسكين في الاستراتيجيات التى تم إعدادها سابقاً والتي لم تعد تتناسب مع الظروف الجديدة التي نمر بها، فتارةً نتحدث عن استراتيجية الاستقلال عن المحتل، وتارةً اخرى ننتقل نحو الارتباط بالمحتل اقتصادياً، وتارةً اخرى نعالج المشكلة بإيجاد برامج تدريب مهني لخلق فرص عمل ، فهل برامج التدريب المهني ستجد للشباب ضالتهم بأماكن عمل؟ ففي ظل عدم وجود قاعدة صناعية يُرتكز عليها أين سيعمل خريجو المهني؟ ام سنعمل على تأهيل كوادر مهنية للعمل بأسواق خارجية؟

ففي الأمس القريب كان لدينا جيل يحرص على الإتقان في حرفته التي ورثها عن اَبائه وأجداده منعاً من “ذل السؤال” في زمن كانت الوجهة الوحيدة لذلك الجيل العمل الحرفي قبل ان ينتقل الناس الى الوظائف في القطاع العام والخاص والتنافس على الحصول على الألقاب والمسميات التي اصبحت الضمان الوحيد لهم “بالمستقبل” وما عرف فيما بعد “بالراتب الثابت الشهري” والتي أغنت الناس عن العمل بالحرف. فقبل دخول المنهجيات الجديدة في طرق استيعاب موظفي القطاع العام كان الناس يعيشون بمبدأ الكسب من عمل اليد وكانوا سعيدين بما يحصلون عليه، وكانوا فخورين بالحرفة التي يقومون بها وكانوا يرددون عبارة ” صنعة في اليد أمان من الفقر”، وتحولنا الى نافرين من الحرفة متألقين في الحصول على الوظائف الحكومية التي اصبحت ذات عنصر إتكالي على دولة تنتظر أموال المقاصة لدفع رواتب 180 ألف مواطن يعملون لديها بين اجهزة أمنية وموظفين بالقطاع المدني، فبدل ان نخلق اقتصادا قويا مقاوما خلقنا مشغلا كبيرا يعمل به آلاف المواطنين ، وفقدنا البوصلة نحو بناء اقتصاد مقاوم يعتمد على مصادره الذاتية الحرفية منها وغيرها.

نعارك الفضاء ولا نستطيع ان نصل الى القمر، شبابنا الفلسطيني في قطاع غزة يبحثون عن مصدر دخل، ويبحثون عن طريق الى الهجرة الى دول اوروبية او خليجية باحثين عن لقمة العيش الكريم، وشبابنا في القدس يبحثون للالتحاق بشركات وتجمعات تجارية في إسرائيل بعد انعدام وجود فرص عمل لديهم بالمدينة المقدسة “العاصمة”، فلم يبق بهذه المدينة المقدسة إلا ابناء وعائلات مقدسية مؤمنة بالقدس ووجودها في ظل الحملة السياسية والاقتصادية الممنهجة ضد أهل القدس، وبالرغم من وجود فرص بالشركات الإسرائيلية الا ان نسبة البطالة من ابناء القدس وصلت الى 73% من الخريجين الذين يبحثون عن اماكن عمل مناسبة لهم.

وتشير التقديرات الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي الفلسطيني ان 50% من الشباب (18-29 سنة) خارج العمل والتعليم/ التدريب في عام 2018 ، بواقع 41% في الضفة الغربية مقابل 63% في قطاع غزة ، كما بلغت نسبة الفقر المدقع بين الأفراد (18-29 سنة) 18% في فلسطين.

قد يتساءل القراء ماذا بعد؟ وما هي الحلول المقترحة للخروج التدريجي من هذا الواقع المرير؟

وعليه اود هنا تقديم مجموعة من الاقتراحات:

اولاً- ان نبدأ وبشكل حثيث من داخلنا بتغيير الواقع والبدء بخلق اقتصاد مقاوم وقوي لديه استعداد ان يقاوم الهزات المتغيرة التي تعصف بنا بين الفينة والأخرى ، وذلك بالتشجيع على بناء المنشأت الصناعية ، وبناء إنسان مقاوم مسلح بالحرف الجديدة التي يطلق عليها حرف “القرن الواحد وعشرين”.

ثانيا – ان نعمل ضمن الهامش 20% المتبقي لدينا، وذلك ببناء تشريعات وقوانين جاذبة للمستثمر المحلي، وإعطاءه فرص للاستثمار بتقليل نسبة الضرائب ودعم المواد الخام المحلية الوطنية ، والاستفادة من المصادر الزراعية والأراضي المتاحة، وخلق برامج استيعاب للكفاءات في القطاع الخاص، وذلك بتشجيع الريادية بفلسطين، ببرامج وطنية ومصادر مالية محلية .

ثالثاً – تقليل سيطرة الشركات الكبيرة على كافة النشاطات الاقتصادية في فلسطين، والسماح لصغار المستثمرين من الإبداع بمجالات تكنولوجية ، خدماتية، او صناعية نتميز بها وطنياً، كما من الضروري ان نتسابق نحو الإبداع وذلك بخلق البيئة المناسبة والصحية والتمويلية لذلك.

رابعأ – المرأة الفلسطينية تمثل 50% من مجتمعنا، يجب تشجيع المرأة المبدعة ان تقوم بدور في انعاش الاقتصاد وتشجيعها بمنحها إعفاءات ضريبية لمدد طويلة تستطيع ان تقدم مشاريع اقتصادية، والمساعدة بتقديم دعم فني لها من خبراء محليين للنهوض بمشاريعها نحو تغطية احتياجات السوق المحلي بدلاً من المستورد من اسواق الجوار او الخارج.

خامساً – زعتر، زيت، تمر، ومنتجات حرفية، وهو الذي خلق عنوانا في الأسواق العالمية لفلسطين، فلنعمل على تعزيز هويتنا الاقتصادية في المجتمعات العالمية وذلك بالتعاون بين القطاع الخاص والسفارات الفلسطينية العاملة في العالم وتنويع المنتجات الزراعية او الصناعية للتصدير، بدلاً من تصدير الشباب للأسواق الخارجية.

سادساً – “العاصمة”- القدس الشريف، العمل على استحداث برامج السياحة الداخلية، وتشجيع بناء المشاريع الصغيرة التكنولوجية والسياحية منها وغيرها لإعادة بناء اقتصاد القدس الذي قد تدمر نتيجة الغربة القسرية عنها.

المواطن الفلسطيني، يحتاج الى حاضنة مخلصة لكي يبدع، فلنعمل لبناء الحاضنة النموذجية لمواطنين مخلصين للوطن ولتراب وعزة وكرامة فلسطين.

*مستشار اقتصادي دولي- وشريك اقليمي لصندوق دعم المبادرات الناشئة – فاستر كابتل – دبي