استخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منبر خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس ليرسم ملامح سياسة بلاده تجاه إيران، مؤكداً أنه لن يسمح لطهران بامتلاك السلاح النووي. ووصف ترامب النظام الإيراني بأنه الراعي الأول للإرهاب في العالم، معتبراً أن تحركاته الصاروخية ودعمه للجماعات المسلحة يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي واستقرار المنطقة.
وفي تفاصيل خطابه، زعم ترامب أن إيران تعمل بوتيرة متسارعة لتطوير صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية في وقت قريب. وأشار إلى أن هذه الصواريخ لا تهدد واشنطن فحسب، بل تمتد مخاطرها لتشمل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخارج والحلفاء في القارة الأوروبية.
وتطرق الرئيس الأمريكي إلى نتائج العمليات العسكرية التي جرت في يونيو الماضي، مدعياً أن الضربات الجوية قضت حينها على البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني. ومع ذلك، حذر ترامب من أن طهران بدأت بالفعل في إعادة بناء قدراتها وتسعى في اللحظة الراهنة لاستعادة طموحاتها النووية التي وصفها بـ ‘الشريرة’.
من جانبها، قدمت وكالة المخابرات العسكرية الأمريكية تقييماً تقنياً يشير إلى أن إيران تمتلك حالياً وحدات إطلاق فضائي متطورة. ورجحت الوكالة أن تتمكن طهران من تحويل هذه التقنيات إلى صواريخ باليستية عابرة للقارات وقابلة للاستخدام العسكري بحلول عام 2035، في حال اتخذت القيادة السياسية قراراً بهذا الشأن.
وفي سياق متصل، يرى خبراء دوليون في مجال الصواريخ أن التقديرات الاستخباراتية الأمريكية قد تكون ‘متحفظة للغاية’ في رصد التقدم الإيراني. ويستند هؤلاء الخبراء إلى التعاون الوثيق بين طهران وبيونغيانغ منذ عام 2013 في تطوير محركات صاروخية أثبتت كفاءتها في الوصول إلى مسافات بعيدة.
وعلى صعيد المنشآت النووية، أكدت تقارير ميدانية أن المواقع الرئيسية في نطنز وفوردو وأصفهان تعرضت لأضرار جسيمة خلال هجمات يونيو الماضي. ورغم تأكيدات ترامب بتدمير هذه المواقع، إلا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أشارت إلى قدرة إيران على استئناف التخصيب بمستويات محدودة خلال فترة وجيزة.
وأوضح مدير الوكالة الدولية، رافائيل غروسي أن المفتشين الدوليين تمكنوا من زيارة المواقع المعلنة التي لم تتعرض للقصف، لكنهم لم يصلوا بعد إلى المنشآت الثلاث الكبرى المتضررة. ويبقى الغموض سيد الموقف بشأن حجم النشاط الفعلي المتبقي داخل تلك المواقع الحصينة تحت الأرض.
لن نسمح لأكبر راعٍ للإرهاب في العالم بالحصول على سلاح نووي، وطهران تسعى من جديد لتحقيق طموحاتها الشريرة.
وتتمسك طهران بموقفها الرسمي الذي ينفي السعي لامتلاك أسلحة دمار شامل، مؤكدة أن نشاطها النووي يقتصر على الأغراض المدنية وتوليد الطاقة. وتستند إيران في دفاعها إلى كونها عضواً في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، مما يمنحها الحق القانوني في تخصيب اليورانيوم للأبحاث السلمية.
في المقابل، تشكك القوى الغربية في هذه الرواية، معتبرة أنه لا يوجد مبرر مدني مقنع للوصول إلى مستويات تخصيب عالية جداً كما فعلت إيران. وتؤكد تقارير فنية أن المسار الذي سلكته طهران في رفع نسب النقاء لم يسبق أن قامت به دولة أخرى دون أن ينتهي بها الأمر لإنتاج رؤوس نووية.
وشهدت الأروقة السياسية في واشنطن تبايناً حاداً بعد صدور تقييم التهديدات العالمية لعام 2025، والذي أفاد بأن المرشد الأعلى علي خامنئي لم يصدر أمراً باستئناف البرنامج العسكري. هذا التقييم الذي دافعت عنه مديرة المخابرات الوطنية تولسي غابارد، واجهه ترامب برفض قاطع واتهامات لمجتمع المخابرات بالخطأ.
وأصر ترامب على أن إيران باتت ‘قريبة جداً’ من امتلاك القنبلة، رغم غياب الأدلة العلنية التي تدعم هذا الادعاء في التقارير الاستخباراتية الرسمية. ويعكس هذا الانقسام فجوة كبيرة في تقدير الموقف بين البيت الأبيض وأجهزة المعلومات الحساسة في الإدارة الأمريكية.
ولم يقتصر هجوم ترامب على الملف النووي، بل امتد ليشمل ملف حقوق الإنسان، حيث اتهم السلطات الإيرانية بقتل نحو 32 ألف متظاهر خلال الشهرين الماضيين. وهذه الأرقام تتجاوز بكثير ما وثقته المنظمات الحقوقية المستقلة التي سجلت آلاف الوفيات المؤكدة والمحتملة تحت المراجعة.
وردت طهران على هذه الاتهامات عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي، الذي وصف أرقام ترامب بالمبالغ فيها وغير الدقيقة. وأكدت الحكومة الإيرانية أنها نشرت قوائم تفصيلية بأسماء القتلى، مشيرة إلى أن العدد الإجمالي لا يتجاوز بضعة آلاف، بما في ذلك عناصر من قوات الأمن.
ويبقى التوتر سيد الموقف في العلاقات الأمريكية الإيرانية، حيث تضع تصريحات ترامب المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة للتصعيد. ومع استمرار التباين في الأرقام والتقديرات، تترقب الأوساط الدولية الخطوات العملية التي قد تتخذها واشنطن لترجمة وعيد رئيسها على أرض الواقع.













