تعيش الأراضي اللبنانية أزمة إنسانية متفاقمة مع وصول أعداد النازحين إلى نحو 450 ألف شخص، وفقاً لآخر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن السلطات اللبنانية. هؤلاء النازحون الذين فروا من جحيم الغارات الإسرائيلية وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع مرير، حيث تحولت الطرقات والحدائق العامة في مختلف المناطق إلى مساكن مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة.
وفي مدينة صيدا جنوبي البلاد، رصدت مصادر ميدانية انتشار مئات العائلات على قارعة الطريق وفي الساحات العامة، حيث افترشوا الأرض لأيام تحت أشعة الشمس الحارقة. وتبرز معاناة النازحين السوريين بشكل مضاعف، إذ نقلت شهادات حية تعرض بعضهم للمنع من دخول مراكز الإيواء الرسمية بدواعي تتعلق بجنسيتهم، مما أجبرهم على البقاء في العراء.
تروي السيدة مريم حنوف، وهي نازحة سورية من بلدة الشهابية، كيف قضت ثلاثة أيام مع أطفالها في حديقة عامة بصيدا بعد رفض استقبالها في مراكز الإيواء. وأوضحت مريم أن التمييز العنصري زاد من وطأة نزوحها، حيث واجهت عبارات قاسية تطلب منها العودة إلى بلادها رغم اشتعال النيران في المناطق التي كانت تقطنها بجنوب لبنان.
من جانبها، أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن نحو 215 ألف لاجئ سوري تأثروا بشكل مباشر بالنزاع الحالي في لبنان. وأشارت المفوضية إلى أن التقديرات الرسمية تشير أيضاً إلى عبور أكثر من 60 ألف شخص الحدود باتجاه الأراضي السورية هرباً من القصف العنيف الذي يطال القرى والبلدات اللبنانية.
ورغم تخصيص الحكومة اللبنانية لنحو 700 مدرسة رسمية لتكون مراكز إيواء جماعية، إلا أن الضغط الهائل والتدفق السريع للنازحين جعل الوصول إلى هذه المراكز تحدياً كبيراً. وتشدد المنظمات الدولية على ضرورة أن تكون هذه المراكز شاملة ومتاحة لجميع المحتاجين بغض النظر عن جنسياتهم، التزاماً بالمبادئ الإنسانية الأساسية.
وفي العاصمة بيروت، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث اضطر النازحون من الضاحية الجنوبية لإخلاء منازلهم والتوجه نحو الشواطئ والجامعات. إيناس القشاط، شابة في السادسة والعشرين من عمرها، تصف رحلة نزوحها من منطقة شاتيلا إلى شاطئ الرملة البيضاء بأنها هروب نحو مصير مجهول في ظل ارتفاع جنوني لأسعار الإيجارات.
وتضيف إيناس أن المكوث في حرم الجامعة اللبنانية، رغم كونه أفضل من الشارع، إلا أنه يفتقر للخصوصية والخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء. وتعبر عن رعب دائم من فقدان منزلها الذي تصدع في جولات سابقة، مؤكدة أن الحرب أرهقت قدرة الناس على الصمود النفسي والمادي.
هربت من الحرب ثلاث مرات، وفي كل مرة كان التشرد في انتظاري.. العنصرية طغت على كثيرين وكأنه محكوم علينا بالموت.
وفي منطقة جبل لبنان، استقبلت بلدة برجا وحدها أكثر من 10 آلاف نازح توزعوا بين المنازل ومراكز الإيواء الثمانية المفتوحة في البلدة. وناشدت الفعاليات المحلية أجهزة الدولة بضرورة الالتفات للعائلات المقيمة في الشقق السكنية، حيث يعانون من نقص حاد في البطانيات والمستلزمات الطبية والغذائية الضرورية.
قصة مريم عزام، النازحة من بلدة قانا، تختصر مأساة الجنوبيين الذين فقدوا كل شيء؛ فقد استشهد زوجها في غارة سابقة ودُمر منزلها ومحصولها الزراعي بالكامل. مريم التي تعيل ثلاثة أطفال تجد نفسها اليوم في مركز إيواء ببلدة برجا، مجردة من أوراقها الثبوتية ومقتنياتها، وتتساءل بمرارة عن الجهة التي ستعوضها عن خسائرها الفادحة.
وتشير التقارير إلى أن تمويل عمليات الإغاثة الدولية في لبنان لا يتجاوز حالياً 14% من الاحتياجات المطلوبة، مما ينذر بكارثة إنسانية إذا طال أمد العدوان. هذا النقص الحاد في التمويل يضعف قدرة المنظمات على تقديم المساعدات العاجلة لمئات الآلاف الذين فقدوا سبل عيشهم ومنازلهم في لحظات.
الأطفال هم الحلقة الأضعف في هذه المأساة، حيث يعيشون مرارة التشريد بعيداً عن مقاعد الدراسة وفي ظروف صحية وبيئية صعبة. وتوثق المصادر الميدانية حالات عديدة لأطفال يعانون من صدمات نفسية جراء أصوات الانفجارات ومشاهد النزوح القسري التي طبعت ذاكرتهم بالخوف والقلق.
وعلى الصعيد الحقوقي، تزايدت المطالبات بضرورة وقف الممارسات العنصرية التي تستهدف النازحين غير اللبنانيين، خاصة في ظل الظروف الحربية التي تتطلب تكاتفاً إنسانياً. ويؤكد ناشطون أن التمييز في تقديم المأوى يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية التي تحمي المدنيين واللاجئين في أوقات النزاعات المسلحة.
في المقابل، تبذل مبادرات مجتمعية وجهات أهلية جهوداً جبارة لتأمين وجبات الطعام والمستلزمات الأساسية للنازحين في الشوارع، محاولين سد الفجوة التي تركتها الإمكانيات الرسمية المحدودة. هذه المبادرات تعكس وجهاً تضامنياً يسعى للتخفيف من وطأة المعاناة التي يعيشها اللبنانيون والسوريون على حد سواء.
يبقى أفق الحل مسدوداً مع استمرار الغارات الجوية واتساع رقعة الاستهداف، مما يجعل قصص النزوح سطوراً مفتوحة على مزيد من الألم. وبينما ينتظر النازحون العودة إلى ديارهم، تظل ذكريات التشريد على قارعة الطريق وصمة تطارد الضمير العالمي الذي يقف عاجزاً عن وقف آلة الحرب.












