أطفال غزة في العيد.. طفولة مسلوبة وألعاب من ركام النزوح

20 مارس 2026آخر تحديث :
أطفال غزة في العيد.. طفولة مسلوبة وألعاب من ركام النزوح

عشية عيد الفطر الثالث الذي يمر على قطاع غزة في ظل الحرب المستمرة، يجد الطفل يزن أبو شنب نفسه جالساً على بساط خشن فوق رصيف بارد بجوار مسكن مؤقت صنعته عائلته من أخشاب وأقمشة بالية في منطقة المواصي بخان يونس. هذا المكان الذي يفتقر لأدنى مقومات الحياة، لا يشبه الخيام الحقيقية، بل هو أقرب إلى عشة صغيرة تحاول ستر أفراد الأسرة الذين فقدوا كل شيء.

على ذلك الرصيف، يلهو يزن وشقيقته بعلبة بلاستيكية فارغة عثرا عليها بين المخلفات، يقلبانها بين أيديهما كأنها كنز ثمين في ظل غياب الألعاب الحقيقية والدراجات التي اعتادا عليها في الأعياد السابقة. يراقب الطفل المارة في الشوارع الضيقة المكتظة بالنازحين، بينما يكرر فتح وإغلاق علبته البلاستيكية في مشهد يختصر ضياع طقوس العيد وتحولها إلى مجرد ذكريات بعيدة.

يقول يزن بنبرة يملؤها الانكسار إنه كان يترقب العيد سابقاً لشراء ألعاب جديدة، لكن هذا العام لم تشترِ عائلته شيئاً بسبب فقدان مصدر رزق والده نتيجة حرب الإبادة المستمرة. المال الذي يتوفر بالكاد يكفي لتأمين لقمة العيش الضرورية، مما جعل شراء الملابس أو الألعاب حلماً بعيد المنال في ظل الانهيار الاقتصادي الشامل.

هذا الواقع المرير لا يقتصر على يزن وحده، بل يمتد لآلاف الأطفال الذين استبدلوا شغف اختيار الألعاب من الأسواق بالبحث عن بدائل بدائية على الأرصفة. ومع اقتراب العيد، تبدو غزة مثقلة بسنوات من الحصار والتجويع، حيث غابت مظاهر البهجة وحل مكانها حزن عميق وشرود ذهني يسيطر على وجوه الصغار والكبار على حد سواء.

في أزقة المخيمات الرملية، يكتفي الأطفال بالألعاب الحركية البسيطة بعد أن غابت عن واقعهم الكرات ومسدسات الخرز والعرائس. لم يعد أحد يتحدث عن ‘العيدية’ التي كانت تمثل ذروة سعادتهم، إذ أن الأولوية القصوى للعائلات النازحة باتت تتركز حول تأمين شربة ماء أو رغيف خبز يسد رمق الصغار.

أفادت مصادر محلية بأن فكرة شراء ملابس جديدة باتت تُصنف ضمن ‘الرفاهية المستحيلة’ للكثير من الأسر التي تعيش تحت خط الفقر المدقع. ويوضح بلال بدرية، وهو رب أسرة نازحة أن الارتفاع الجنوني في الأسعار جعل شراء أبسط الخضروات عبئاً ثقيلاً، متسائلاً بحرقة عن كيفية توفير مستلزمات العيد في ظل هذا الغلاء الفاحش.

بعيداً عن خيمة يزن، تقف الطفلة لينا الدحدوح في طابور طويل أمام نقطة لتوزيع المياه، ممسكة بدلو صغير بدلاً من فستان العيد الذي كانت تحلم به. تراقب لينا والدها وهو يملأ الأوعية البلاستيكية بصبر متعب، مدركة أن مهامها اليومية في النزوح قد سرقت منها طفولتها وبريق الأيام التي كانت تسبق العيد.

العيد هذا العام لن يشبه ما سبق؛ فالأطفال في غزة يتعلمون مبكراً كيف يستبدلون ألعابهم بأشياء صغيرة يجدونها مصادفة على أرصفة النزوح.

تتذكر لينا كيف كانت ترافق والدتها إلى الأسواق المزدحمة لاختيار ملابسها الجديدة، أما اليوم فإن جل اهتمامها ينصب على تعبئة الجرار من نقاط بعيدة ونقلها إلى الخيمة. لقد فرضت الحرب واقعاً جعل من تأمين الاحتياجات الأساسية معركة يومية تتقدم على أي رغبة في الاحتفال أو الفرح.

أما الطفل آدم السالمي، فيتجول بين الخيام بملامح يكسوها اليأس، مؤكداً أن ‘العيد لم يعد موجوداً’ بعد أن تحطمت الأراجيح والملاعب التي كان يقصدها. يشير آدم بمرارة إلى ملعب اليرموك والمناطق الترفيهية التي تحولت إلى ركام، موضحاً أن غياب المساحات الآمنة للعب جعل الأطفال حبيسي الخيام والمناطق المدمرة.

في الأسواق القليلة التي لا تزال تعمل، تبدو الحركة باهتة وتفتقر لزينة العيد المعتادة، حيث تتركز المبيعات على السلع الغذائية الأساسية فقط. وأكد تجار لمصادرنا أن معظم المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون بأسى، نظراً لأن القدرة الشرائية انعدمت تماماً لدى الغالبية العظمى من سكان القطاع.

حتى التقاليد المنزلية البسيطة مثل إعداد كعك العيد تلاشت من معظم البيوت والخيام، وذلك بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الطحين والسكر والزيت. الرائحة التي كانت تميز أزقة غزة قبل العيد غابت هذا العام، لتترك مكاناً لروائح الحطب والدمار، مما عمق شعور الأطفال بالفقدان والحرمان.

من جانبه، أكد أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية أن هذا العيد هو الأصعب على الإطلاق، حيث يواجه الأطفال ظروفاً إنسانية قاسية غير مسبوقة. وأشار إلى أن الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية والاقتصاد جعل العائلات عاجزة تماماً عن رسم البسمة على وجوه أطفالها في هذه المناسبة الدينية.

وشدد الشوا على أن المعاناة ليست مادية فحسب، بل هي فقدان للبيئة الاجتماعية السليمة، حيث تحولت المدارس إلى مراكز إيواء مكتظة واختفت المنتزهات العامة. هذا التحول جعل من العيد تذكيراً إضافياً بحجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها الفلسطينيون خلال أشهر الحرب الطويلة.

يبقى أطفال غزة في هذا العيد عالقين بين ذكريات جميلة لأعياد مضت وواقع أليم يفرضه الحصار والعدوان، منتظرين زمناً تعود فيه حياتهم إلى طبيعتها. وفي ظل هذه الأوضاع، تظل فرحة العيد مؤجلة في قطاع غزة، بانتظار فجر جديد ينهي مأساة النزوح ويعيد للأطفال حقهم في اللعب والأمان.