تشهد القارة الآسيوية تحولات هيكلية عميقة في استراتيجيات الطاقة والأمن، مدفوعة بالتداعيات الاقتصادية المتلاحقة للحرب في إيران. وتسعى دول المنطقة، التي تعتمد بشكل مفرط على إمدادات النفط والغاز من الخليج، إلى إيجاد بدائل مستدامة تضمن أمنها القومي في ظل اضطراب سلاسل التوريد العالمية.
وصلت الأزمة إلى مستويات حرجة في دول مثل الفلبين التي أعلنت حالة الطوارئ الوطنية، وبنغلاديش التي بدأت إجراءات تقنين صارمة للوقود. وتتزايد المخاوف من نفاد الإمدادات بالكامل، مما دفع القادة للبحث عن حلول جذرية تتجاوز المسكنات المؤقتة التي اعتمدت عليها الأسواق سابقاً.
أفادت مصادر بأن القوى الاقتصادية الكبرى في المنطقة، وتحديداً اليابان وكوريا الجنوبية، لم تكن بمنأى عن هذه الهزات رغم احتياطياتها الاستراتيجية. ويدرك صناع القرار في طوكيو وسيول أن أي تصعيد إضافي في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى انهيار سريع في منظومة الطاقة المحلية لديهم.
في كوريا الجنوبية، تجددت الضغوط السياسية والشعبية للمطالبة بحق تخصيب اليورانيوم بنسب أعلى محلياً لتشغيل المفاعلات النووية. ويرى مراقبون أن هذا التوجه لا يقتصر على الأغراض المدنية فحسب، بل يحمل في طياته رغبة في تأمين استقلال استراتيجي كامل عن الموردين الخارجيين.
أثار تركيز إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الموارد العسكرية في الشرق الأوسط حالة من القلق لدى الحلفاء الآسيويين. وبدأ نقاش جدي في أروقة الحكم حول مدى جدوى الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية التي بدأت تبدو غير مستقرة في نظر الكثيرين.
تشير التحليلات إلى أن مجرد سعي سيول لامتلاك قدرات تخصيب متقدمة سيؤدي إلى صدمات جيوسياسية لا يمكن التنبؤ بنتائجها. وإذا ما قررت اليابان وكوريا الجنوبية المضي قدماً نحو التسلح النووي، فإن التوازن الأمني في منطقة المحيطين الهادئ والهندي سيتعرض لزلزال غير مسبوق.
تعد كوريا الجنوبية حالياً من بين أكبر منتجي الطاقة النووية في العالم، وتعمل بنشاط على توسيع مفاعلاتها المدنية. وفي المقابل، جعلت القيادة اليابانية من الطاقة الذرية محوراً رئيسياً لأجندتها، متجاوزة المخاوف الشعبية التي خلفتها كارثة فوكوشيما عام 2011.
اليابان تمتلك مخزوناً يبلغ 45 طناً من البلوتونيوم الصالح لصنع الأسلحة، مما يمنحها قدرة نووية كامنة لمواجهة التهديدات الإقليمية.
رغم أن الاتفاق النووي لعام 1974 يمنع سيول من التخصيب المحلي، إلا أن التعديلات الأخيرة سمحت لها بنسبة تصل إلى 20%. ومع ذلك، فإن هذه النسبة تظل دون مستوى الطموح السياسي الكوري الذي يطمح للوصول إلى ‘القدرة النووية الكامنة’ التي تتمتع بها جارتها اليابان.
تمتلك اليابان فعلياً القدرة على تطوير أسلحة نووية في وقت قياسي دون أن تتجاوز العتبة القانونية الدولية حتى الآن. وبحسب تقارير فنية، فإن طوكيو تمتلك مخزونات ضخمة من البلوتونيوم وتقنيات صاروخية متطورة يمكن تحويلها لأغراض عسكرية خلال أشهر قليلة.
أظهرت استطلاعات الرأي الحديثة في كوريا الجنوبية تحولاً جذرياً في القناعات الشعبية، حيث أيد 76% من المواطنين امتلاك سلاح نووي محلي. ويعكس هذا الرقم تراجع الثقة في أن واشنطن ستخاطر بمدنها للدفاع عن سيول في حال وقوع هجوم نووي من الشمال.
حذرت الصين وكوريا الشمالية من أن أي تحرك نحو تعزيز القدرات النووية في المنطقة سيواجه بردود فعل عنيفة وغير محددة. وتخشى بكين من أن يؤدي ‘الدومينو النووي’ في آسيا إلى حصار استراتيجي يهدد نفوذها الإقليمي ومصالحها الحيوية في البحار المجاورة.
يرى خبراء الانتشار النووي أن كوريا الجنوبية قد تواجه عزلة دولية وعقوبات اقتصادية إذا سلكت مسار التسلح المنفرد. ومع ذلك، فإن تلميحات الرئيس ترامب بعدم معارضته لحصول الحلفاء على أسلحة خاصة قد تقلل من وطأة هذه المخاطر الجيوسياسية والتبعات القانونية.
في اليابان، عزز الفوز الانتخابي الكبير لرئيسة الوزراء ساناي تاكايشي من احتمالات تغيير العقيدة النووية للبلاد. وتعهدت تاكايشي بإجراء تحولات سياسية تشمل تعديل الدستور، مما قد ينهي الالتزام التاريخي بالمبادئ الثلاثة غير النووية التي تبنتها طوكيو لعقود.
يبدو أن العالم يتجه نحو واقع جديد تبرز فيه قوى نووية جديدة في شمال شرق آسيا نتيجة الفراغ الأمني واحتياجات الطاقة. ومع انشغال واشنطن بملفات أخرى، يجد الحلفاء أنفسهم مضطرين لاتخاذ قرارات صعبة قد تغير وجه التاريخ في القارة الآسيوية للأبد.













