لم تكن مدينة مراكش يوماً مجرد تجمع عمراني أو ركام من الحجر، بل مثلت عبر تاريخها الطويل صفحة حية تجسد قيم التعايش الإنساني وآثار الحضارات المتعاقبة. إلا أن المشاهد الأخيرة التي تناقلتها منصات التواصل لسياح يهود يؤدون صلواتهم بخشوع أمام ‘باب دكالة’ التاريخي، قد فجرت موجة من التساؤلات العميقة حول دلالات هذا الفعل في التوقيت الراهن.
يقف هؤلاء السياح بزيّهم التقليدي أمام الأسوار التاريخية، متمتمين بدعوات دينية في مشهد يتجاوز حدود السياحة الترفيهية العابرة إلى واقعة مثقلة بالمعاني السياسية والاجتماعية. هذا السلوك دفع الكثيرين للتساؤل عن سر اختيار هذا الحائط تحديداً، وعن الذاكرة التي يحاول هؤلاء استحضارها في فضاء عام يتقاسمه الجميع.
يرى مراقبون أن اختيار ‘باب دكالة’ قد لا يرتبط بقداسة دينية منصوص عليها في الكتب، بقدر ما يرتبط بمحاولة استعادة صلة مع زمن غابر وبيوت قديمة كانت تسكنها الجالية اليهودية في المنطقة. هي محاولة لاستنطق الحجر والبحث في ثنايا الجدران عن صدى خطوات الأجداد التي غابت في غيابات الزمن، لكنها صلاة خرجت من حيز المعبد الضيق إلى رحابة الشارع.
أحدث هذا التحول في ممارسة الطقوس الدينية نوعاً من الارتباك في وجدان أهل المدينة الحمراء، الذين اعتادوا على وجود ‘الملاح’ والمعابد اليهودية كأماكن مخصصة للعبادة. إن تحول الأسوار التاريخية التي تملكها الأمة جمعاء إلى قبلة للطقوس الدينية يطرح إشكالية حول تديين الفضاء العام وتغيير هوية المعالم الأثرية.
تضطرب الآراء في الشارع المغربي بين من يعتبر هذه المشاهد تجسيداً لروح التسامح والانفتاح التي عرفت بها المملكة عبر العصور، وبين من يرى فيها خروجاً فجاً عن المألوف. الفريق المعارض يرى أن رمزية المكان يجب أن تظل بمنأى عن أي توظيف ديني أو سياسي قد يمس بسكينة المجتمع واستقراره الهوياتي.
لا يمكن فصل هذه الواقعة عن سياقات السياسة وإكراهات الواقع الإقليمي التي تلقي بظلالها على المشهد المحلي، مما يحول فعلاً تعبدياً بسيطاً إلى حدث سياسي بامتياز. لقد ضجت الوسائط الرقمية بنقاشات حادة، حيث اعتبر البعض أن ما حدث يندرج ضمن الحريات الفردية، بينما رآه آخرون استفزازاً صريحاً للمشاعر العامة.
هذا الارتباك الهوياتي يعكس صراعاً بين الإخلاص لروح التعددية المغربية الأصيلة، وبين الخشية من فرض أمر واقع جديد لم يعهده المغاربة في تعاملهم مع الفضاءات العامة. فالمواطن الذي نشأ على احترام الجار مهما كان دينه، يجد نفسه اليوم أمام مشهد يكسر ألفة المدينة ويدخله في دائرة من الشك والريبة.
إن هذه الأسوار لم تكن أبداً صماء، بل كانت شاهداً على عهود كان فيها العيش مشتركاً والجوار قائماً، لكن تحويلها لقبلة صلاة يثير معضلة هوياتية.
تتعالى الأصوات المطالبة بضرورة تدخل الجهات الرسمية للحفاظ على سيادة الفضاء العام ومنع تحويل المآثر التاريخية إلى مسارح لطقوس دينية غير مرخصة. فالحفاظ على سكينة المجتمع يقتضي عدم السماح لأي فئة بجعل الملك العام مكاناً لممارسات قد تثير الفرقة أو تخل بالنظام العام المتبع في المواقع الأثرية.
إن الحاجة تبدو ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى لامتلاك بصيرة نافذة تفرق بوضوح بين إحياء التراث الإنساني وبين التديين العشوائي للفضاءات المفتوحة. السياحة الدينية يجب أن تظل رافداً للمعرفة والوصل بين الشعوب، لا أن تتحول إلى مبعث للقلق الاجتماعي أو سبباً في تأجيج الصراعات الفكرية.
الدولة المغربية، بما تملكه من إرث تاريخي ورسالة حضارية، مطالبة بوضع ميزان عدل يحفظ للزائرين حقهم في استعادة ذاكرتهم التاريخية دون المساس بقدسية المكان. التعايش لم يكن يوماً فوضى تترك للصدف، بل هو أدب متبادل يلتزم به الجميع تحت سقف القانون الذي يحمي الجميع دون استثناء.
يجب أن تبقى مراكش كما كانت دائماً، منارة للعلم والسكينة والتعايش السلمي، بعيداً عن أن تتحول إلى ميدان للتدافع والجدل الديني والسياسي. إن قوة المغرب تكمن في تعدد روافده الثقافية، ولكن هذه القوة تستمد استمراريتها من تلاحم أجزائه واحترام ثوابته الوطنية والاجتماعية الراسخة.
إن حرية العبادة مكفولة في دور العبادة المعلومة والمعروفة للجميع، أما الأسوار والآثار فهي شواهد صامتة على عظمة التاريخ المشترك ويجب حمايتها من الصخب. إن إقحام الخصومات السياسية في الممارسات الدينية يفسد على الروح صفاءها، ويؤدي بالضرورة إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي الذي تنعم به المدينة.
في نهاية المطاف، يبقى الرهان على الوعي الجماعي للمواطنين والزوار على حد سواء في إدراك الحدود الفاصلة بين ممارسة الشعائر وبين احترام خصوصية المكان. إن الحفاظ على هوية مراكش الحمراء يتطلب تكاتف الجهود لضمان عدم انزلاق الممارسات الفردية نحو توترات لا تخدم قيم التسامح التي ينشدها الجميع.
ستظل أسوار مراكش تحكي قصص الأولين، ولكنها تطالب الأحفاد اليوم بأن يحسنوا قراءة التاريخ بعيداً عن الاستفزاز أو محاولات فرض واقع جديد. فالتاريخ الذي يجمع لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتفريق، والسكينة التي تميز هذه المدينة هي أمانة يجب الحفاظ عليها للأجيال القادمة.













