تواجه العائلات الفلسطينية في قطاع غزة مأساة متفاقمة مع تصاعد أعداد الأطفال المفقودين، حيث تشير تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين إلى أن نحو 2700 طفل لا تزال جثامينهم مدفونة تحت أنقاض المنازل المدمرة. وبالتوازي مع هذه الأرقام الصادمة، يُرجح اختفاء نحو 200 طفل آخرين في ظروف غامضة مرتبطة بالنزوح القسري أو القرب من نقاط التماس مع قوات الاحتلال.
سلط تحقيق صحفي حديث الضوء على هذه الظاهرة، مستعرضاً قصصاً إنسانية مؤلمة لأطفال اختفوا من مخيمات النازحين أو أثناء بحثهم عن الطعام. ويأتي هذا الطرح في وقت يتجاهل فيه الإعلام العبري غالباً حجم الكارثة الإنسانية في القطاع، مما يعطي هذه الشهادات أهمية استثنائية في توثيق معاناة المدنيين.
من بين الحالات التي وثقها التحقيق، قصة الطفل محمد غبن البالغ من العمر أربع سنوات، والذي فقد أثره قبل ثلاثة أسابيع من خيمة عائلته في بيت لاهيا شمال القطاع. وأفادت والدته لمصادر إعلامية بأن طفلها كان يلعب أمام الخيمة قبل أن يختفي فجأة في غضون عشر دقائق فقط، دون ترك أي أثر يدل على مكانه.
وتشير التقارير إلى أن حالة محمد ليست معزولة، إذ تعج منصات التواصل الاجتماعي والمجموعات المحلية في غزة بنداءات يومية من عائلات تبحث عن أطفالها المفقودين. وتتراوح أعمار معظم هؤلاء الأطفال بين ثلاث وعشر سنوات، مما يزيد من خطورة وضعهم في ظل الفوضى الأمنية والإنسانية التي خلفها العدوان المستمر.
ويرتبط اختفاء بعض الأطفال بشكل مباشر بالعمليات العسكرية، حيث فُقد أثر عدد منهم بعد اقترابهم من محور نتساريم أو نقاط توزيع المساعدات. وهناك مخاوف جدية من تعرض هؤلاء الأطفال لإطلاق نار مباشر أو الاعتقال من قبل قوات الاحتلال التي تفرض حصاراً مشدداً على تلك المناطق.
يظهر لي دائما في أحلامي وهو يبكي. هو جزء من روحي، وسأواصل البحث عنه حتى آخر نفس لأعرف ما الذي حدث له.
وفي قصة أخرى تعكس حجم الصدمات النفسية، اختفى الطفل سامر أبو جامع البالغ من العمر عشر سنوات قرب مدينة رفح في شهر مارس الماضي. وكان سامر يعاني من اضطرابات نفسية حادة نتيجة مشاهدته لعمليات قتل مروعة خلال الحرب، مما جعله في حالة من الانغلاق النفسي قبل فقدانه.
وتحدثت والدة سامر بمرارة عن غياب أي معلومات حول مصير ابنها، مشيرة إلى أنها تراه في أحلامها باستمرار وهو يبكي طلباً للمساعدة. وأكدت العائلة عزمها على مواصلة البحث رغم الظروف القاسية، مطالبة الجهات الدولية بالتدخل لمعرفة ما إذا كان محتجزاً أو مصاباً.
على الصعيد الميداني، نفت الأجهزة الأمنية في غزة وقوع عمليات خطف منظمة، وأرجعت حالات الاختفاء إلى الضياع الناتج عن النزوح المتكرر أو الخلافات العائلية. واتهمت مصادر محلية جهات مرتبطة بالاحتلال بنشر شائعات تهدف إلى إثارة الذعر وزعزعة الاستقرار الداخلي في مجتمع النازحين.
وكشف التحقيق عن أساليب ابتزاز يمارسها الاحتلال، حيث تعرضت عائلة الطفلة ‘زينة’ لمساومة من قبل الاستخبارات الإسرائيلية بعد قصف منزل جيرانهم. وطالب ضابط مخابرات العائلة بتقديم معلومات أمنية مقابل الكشف عن مصير ابنتهم المفقودة، وهو ما رفضته العائلة بشكل قاطع.
من جهتها، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها تتعامل مع آلاف الطلبات المفتوحة لمفقودين في غزة، لكن قدرتها على التحرك تظل محدودة للغاية. وتعرقل سلطات الاحتلال وصول الطواقم الدولية إلى المعتقلين أو تزويدهم بقوائم الأسماء، مما يترك آلاف العائلات في حالة من القلق الدائم على مصير أبنائهم.













