كشفت مصادر مطلعة عن تحركات سياسية مكثفة يقوم بها ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، تهدف إلى تأمين مقعد له في الهيئات القيادية العليا لحركة فتح. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس تمر به السلطة الفلسطينية، حيث يلوح في الأفق صراع على الخلافة مع اقتراب موعد المؤتمر العام للحركة في مدينة رام الله.
ويُنتظر أن يترشح ياسر عباس، البالغ من العمر 64 عاماً، لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، وهي أعلى هيئة قيادية في الحركة، خلال المؤتمر المقرر عقده في منتصف شهر مايو/ أيار الجاري. ويعد هذا المؤتمر الأول من نوعه منذ نحو عشر سنوات، مما يجعله محطة فاصلة في رسم خارطة القوى داخل المنظومة السياسية الفلسطينية.
ياسر عباس، الذي عرف لسنوات طويلة كرجل أعمال يدير استثمارات ضخمة في قطاعات التبغ والمقاولات، بدأ مؤخراً في الظهور العلني بصفة سياسية غير رسمية. وقد شوهد في عدة مناسبات رسمية مرافقاً لوالده، بما في ذلك زيارات خارجية شملت لقاءات مع زعماء دوليين مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
وأفادت مصادر بأن نجل الرئيس عقد في الأسابيع الأخيرة سلسلة من الاجتماعات مع قادة المؤسسة الأمنية في الضفة الغربية، بالإضافة إلى ممثلين عن نادي الأسير والقوى المؤثرة في الشارع الفلسطيني. وتهدف هذه اللقاءات إلى حشد الدعم اللازم قبل تصويت أعضاء المؤتمر البالغ عددهم نحو 2500 عضو لاختيار القيادة الجديدة.
وتشير التقارير إلى أن الرئيس محمود عباس، الذي أتم عامه التسعين، بدأ في منح نجله مهاماً حساسة، كان أبرزها تكليفه العام الماضي بالإشراف على ملف السلاح الفلسطيني في المخيمات اللبنانية. ورغم أن ياسر لم يشغل سابقاً أي منصب رسمي في السلطة أو الحركة، إلا أن نفوذه المتصاعد أثار تكهنات واسعة حول إعداده لخلافة والده.
في المقابل، قوبلت هذه التحركات بانتقادات مكتومة وعلنية من داخل أروقة حركة فتح، حيث يرى معارضون أن تصدير نجل الرئيس للمشهد قد يعمق أزمة الثقة بين الشارع والقيادة. ويحذر هؤلاء من أن غياب الانتخابات العامة منذ عام 2006 يجعل من أي تغيير في القيادة عبر التعيين أو التوريث أمراً مرفوضاً شعبياً.
صبري صيدم، عضو اللجنة المركزية الحالي، علق على هذه الأنباء بالإشارة إلى أن اللوائح الداخلية للحركة تسمح لأي عضو يستوفي الشروط بالترشح. وأعرب صيدم عن أمله في أن يؤدي المؤتمر القادم إلى تجديد الدماء في القيادة لمواجهة التحديات المعقدة التي تواجه القضية الفلسطينية في المرحلة الراهنة.
يحاول عباس إحداث ثقوب في سفينة فتح من خلال تنصيب ابنه وريثاً، وعلى رجال الحركة مواجهة هذا الأمر ورفضه.
وتواجه السلطة الفلسطينية أزمات متراكمة تشمل تراجع شعبيتها وتصاعد الاتهامات بالفساد، فضلاً عن الأزمة المالية الخانقة الناتجة عن احتجاز إسرائيل لأموال الضرائب. وفي ظل هذا الواقع، يرى مراقبون أن دخول ياسر عباس معترك السياسة قد يزيد من تعقيد المشهد بدلاً من تقديم حلول للأزمات القائمة.
ويرى منتقدون أن عائلة عباس استغلت نفوذها السياسي لتعزيز مصالحها التجارية في الضفة الغربية، وهي اتهامات طالما نفاها ياسر وشقيقه طارق. ومع ذلك، فإن الارتباط بين المال والسلطة يظل نقطة ضعف يستغلها المعارضون للتشكيك في شرعية أي دور سياسي مستقبلي لأبناء الرئيس.
ويبرز في سباق الخلافة أسماء وازنة مثل حسين الشيخ، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ومروان البرغوثي المعتقل في السجون الإسرائيلية. ويتمتع البرغوثي بشعبية كاسحة في استطلاعات الرأي، مما يجعل أي محاولة لفرض بديل آخر مهمة شاقة أمام مؤسسة الرئاسة في رام الله.
المحللة السياسية ريهام عودة أشارت إلى أن نجاح ياسر عباس في الوصول إلى اللجنة المركزية لا يعني بالضرورة قبوله شعبياً في أي انتخابات رئاسية مستقبلية. وأوضحت أن الشارع الفلسطيني يتطلع إلى عملية ديمقراطية شاملة تنهي حالة الركود السياسي المستمرة منذ قرابة عقدين من الزمن.
وتأسست السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو ككيان مؤقت، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى إدارة دائمة تواجه تحديات وجودية في ظل التوسع الاستيطاني وانهيار عملية السلام. ويأتي الصراع الحالي على القيادة ليزيد من حالة عدم اليقين حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.
مصادر داخل فتح وصفت الدور المحتمل لياسر عباس بأنه مجرد ‘بداية’ لمخطط يهدف لإيصاله إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وهذا المسار سيمنحه نفوذاً قانونياً وسياسياً يتجاوز حدود الحركة ليصل إلى تمثيل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.
بينما يلتزم مكتب الرئيس الصمت حيال هذه التقارير، يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما سيسفر عنه مؤتمر فتح في مايو. وسيكون لنتائج هذا المؤتمر أثر كبير في تحديد ما إذا كانت السلطة ستتجه نحو إصلاحات جذرية أم ستستمر في نهج الحفاظ على الوضع الراهن عبر تدوير المناصب داخل الدائرة الضيقة.













