استنزاف الترسانة الأمريكية في إيران يمنح الصين نفوذاً قبل قمة ترامب وشي

9 مايو 2026آخر تحديث :
استنزاف الترسانة الأمريكية في إيران يمنح الصين نفوذاً قبل قمة ترامب وشي

كشفت تقارير دولية عن تحول جوهري في الحسابات الاستراتيجية الصينية تجاه القوة العسكرية الأمريكية، حيث يرى محللون في بكين أن قدرة واشنطن على ردع أي تحرك عسكري تجاه تايوان قد تضاءلت بشكل ملحوظ. ويأتي هذا التقييم مدفوعاً بالاستنزاف الكبير الذي تعرضت له القوة النارية الأمريكية خلال الحرب الضارية في إيران، والتي استهلكت جزءاً حيوياً من الترسانة الصاروخية المتطورة.

وتشير تقديرات داخلية من وزارة الدفاع الأمريكية ومسؤولين في الكونغرس إلى أن الولايات المتحدة استنفدت نحو نصف مخزونها من الصواريخ الجوالة الشبحية بعيدة المدى منذ بدء العمليات العسكرية في أواخر فبراير الماضي. كما أطلقت القوات الأمريكية كميات من صواريخ ‘توماهوك’ تعادل عشرة أضعاف ما تشتريه وزارة الدفاع سنوياً، مما يضع ضغوطاً هائلة على سلاسل الإمداد العسكري.

ويرى خبراء عسكريون صينيون أن هذا المأزق كشف عن خلل بنيوي في استراتيجية الحرب الأمريكية، يتمثل في العجز عن إنتاج الأسلحة بالسرعة الكافية لتعويض النقص في صراعات طويلة الأمد وعالية الكثافة. هذا الواقع دفع بعض القادة العسكريين المتقاعدين في جيش التحرير الشعبي لوصف الولايات المتحدة بـ’العملاق المنهك’ الذي فقد هالة الهيمنة المطلقة.

ومن المتوقع أن يلقي هذا التراجع بظلاله على القمة المصيرية المرتقبة الأسبوع المقبل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ. فبينما كان ترامب يخطط لدخول المفاوضات من موقع المنتصر السريع في الشرق الأوسط، يجد نفسه الآن مضطراً للتعامل مع واقع عسكري معقد يقلص من قدرته على ممارسة الضغوط القصوى.

وتسعى بكين من خلال هذه القمة إلى تحقيق استقرار في العلاقات الثنائية وتمديد الهدنة التجارية للتركيز على إنعاش اقتصادها المحلي وتطوير تقنياتها السيادية. وفي المقابل، يطالب الجانب الصيني واشنطن بتقليص دعمها العسكري لتايوان، محذراً من أن أي محاولة لانفصال الجزيرة لن يتم التسامح معها بأي شكل من الأشكال.

وفي سياق متصل، ألمحت الدبلوماسية الصينية إلى إمكانية تحقيق ‘انفراجة’ في قضية تايوان، حيث دعا وزير الخارجية وانغ يي نظيره الأمريكي ماركو روبيو لفتح آفاق جديدة. ومع ذلك، تظل التحركات الصينية في بحر الصين الجنوبي، مثل بناء جزر جديدة قبالة سواحل فيتنام، مؤشراً على استمرار سياسة ‘المنطقة الرمادية’ لتعزيز النفوذ الإقليمي.

على الجانب الآخر، يرفض البيت الأبيض والبنتاغون بشدة فرضية أن العمليات في الشرق الأوسط قد أضعفت الموقف الأمريكي في آسيا. وأكد وزير الدفاع بيت هيغسيث أن ردع الصين يظل على رأس أولويات وزارته، مشدداً على أن الجيش الأمريكي يمتلك القدرات الكافية للتعامل مع جبهات متعددة في آن واحد.

أدى هذا الاستنزاف إلى تقليص قدرة الجيش الأمريكي بشكل كبير على بسط نفوذه القتالي، كاشفاً عن أوجه القصور في هيمنته العسكرية العالمية.
بدوره، صرح الأدميرال صموئيل بابارو، قائد القيادة العسكرية في المحيط الهادئ، بأنه لا يرى تكلفة حقيقية فُرضت على الجاهزية القتالية لردع الصين. وأشار مسؤولون أمريكيون إلى أن النجاحات الاستخباراتية والعملياتية في إيران، بما في ذلك اغتيال قادة بارزين، تثبت كفاءة الآلة العسكرية الأمريكية ومصداقيتها القتالية.

ورغم هذه التأكيدات، يشير باحثون دوليون إلى أن الحلفاء في آسيا يراقبون بقلق تأخر وصول المعدات العسكرية الأمريكية وانشغال واشنطن بجبهات بعيدة. هذا القلق يغذي السردية الصينية التي تحاول إقناع دول المنطقة بأن الولايات المتحدة لم تعد الضامن الأمني الموثوق الذي يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى.

وبالتوازي مع هذه التطورات، تشهد المنطقة العربية تحولات دراماتيكية، حيث أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة أوبك وأوبك+ وسط أنباء عن توترات داخل جامعة الدول العربية. وتأتي هذه الخطوات في وقت عززت فيه إسرائيل تعاونها العسكري مع أبوظبي عبر تزويدها بمنظومات دفاعية متطورة مثل القبة الحديدية.

وفي القارة الأفريقية، تبرز ملامح صراع جديد مع إبداء مصر استعدادها لنشر قوات في الصومال لمواجهة التحركات الإسرائيلية في ‘أرض الصومال’. وتتزامن هذه التحركات مع اتهامات سودانية لأطراف إقليمية بدعم الهجمات على مطار الخرطوم، مما يعقد المشهد الأمني في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وتشير مصادر دبلوماسية إلى وجود تحركات مكثفة تشمل تقاربات بين تركيا والسعودية ومصر وباكستان، في محاولة لخلق توازنات جديدة بعيداً عن الهيمنة التقليدية. هذه التحالفات الناشئة تأتي في ظل شعور متزايد بفشل أطر الأمن الجماعي القديمة، مثل مجلس التعاون الخليجي، في توفير حماية فعلية دون اعتماد كلي على واشنطن.

ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول استغلال هذا الاضطراب العالمي للدفع بمشروعه لـ’الشرق الأوسط الجديد’. ويهدف هذا المشروع إلى تحويل إسرائيل إلى قوة عظمى إقليمية عبر تحالفات استراتيجية تمتد من شرق أفريقيا وصولاً إلى الهند، مستفيداً من انشغال القوى الكبرى بصراعاتها البينية.

ختاماً، تبقى القمة المرتقبة بين ترامب وشي هي البوصلة التي ستحدد مسار الصراع العالمي في المرحلة المقبلة. فإما أن تنجح واشنطن في استعادة هيبتها الردعية عبر اتفاقيات شاملة، أو أن تستغل بكين حالة ‘الإنهاك’ الأمريكي لفرض واقع جيوسياسي جديد في مضيق تايوان والمحيط الهادئ.