أقرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة هجرة جديدة وصفت بالمتشددة، تفرض على المهاجرين المقيمين بصفة قانونية مغادرة الأراضي الأمريكية والعودة إلى بلدانهم الأصلية كشرط أساسي للتقدم بطلبات الحصول على الإقامة الدائمة ‘البطاقة الخضراء’. وتمثل هذه الخطوة تحولاً جذرياً في القوانين المنظمة للهجرة، حيث تعطل أحد أكثر المسارات القانونية استخداماً من قبل المقيمين والعمال الأجانب في البلاد.
وأصدرت دائرة خدمات الجنسية والهجرة الأمريكية مذكرة رسمية تبرر هذا الإجراء بأنه ‘عودة إلى المقصد الأصلي للقانون’ وضمان لالتزام الأجانب بالمسارات الصحيحة للهجرة. وفي المقابل، انتقد مدافعون عن حقوق المهاجرين هذه السياسة، واصفين إياها بالتدبير ‘القاسي والمربك’ الذي يستهدف فئات منتجة تقيم وتعمل في الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة تحت غطاء قانوني كامل.
وبموجب القواعد الجديدة، لن يكون بمقدور المهاجرين إتمام إجراءات الإقامة الدائمة من داخل الولايات المتحدة كما كان متبعاً في السابق، بل سيتعين عليهم السفر إلى الخارج وانتظار المعالجة في قنصليات بلدانهم. وتزامن هذا القرار مع إعلان وزارة الخارجية الأمريكية عن وقف معالجة طلبات تأشيرات الهجرة في 75 دولة، مما يزيد من تعقيد الموقف القانوني للمتضررين.
وصرح المتحدث باسم دائرة الهجرة، زاك كاهلر، بأن الإدارة تسعى من خلال هذا القرار إلى سد ما وصفه بـ ‘الثغرات القانونية’ التي تسمح للبعض بالبقاء داخل البلاد بعد رفض طلباتهم. وأكد كاهلر أن أي شخص يتواجد في الولايات المتحدة بصفة مؤقتة ويرغب في الاستقرار الدائم، يجب عليه التقديم من الخارج، مشيراً إلى أن الاستثناءات ستكون محدودة جداً وفي ظروف قاهرة فقط.
وكان نظام ‘تعديل الوضع القانوني’ المعمول به سابقاً يتيح للطلاب الدوليين وحاملي تصاريح العمل المتخصصة، بالإضافة إلى المتزوجين من مواطنين أمريكيين، الانتقال من التأشيرات المؤقتة إلى الإقامة الدائمة دون مغادرة البلاد. ويرى خبراء أن إلغاء هذا النظام سيتسبب في حالة من عدم الاستقرار الوظيفي والاجتماعي لآلاف العائلات التي استقرت بالفعل في المجتمع الأمريكي.
الإدارة الحالية هي الأكثر عداءً للهجرة القانونية في تاريخ الولايات المتحدة، والقرار قد يؤدي إلى فقدان المهاجرين لوظائفهم وتفكك عائلاتهم.
من جانبه، اعتبر ديفيد بير، مدير دراسات الهجرة في معهد ‘كاتو’ أن هذه الإدارة هي الأكثر عداءً للهجرة القانونية في التاريخ الأمريكي الحديث، نظراً لاستهدافها مسارات كانت مستقرة لعقود. وأوضح بير أن أكثر من نصف المهاجرين الشرعيين خلال الجيل الماضي اعتمدوا على آلية تعديل الوضع من الداخل، وهو ما تسعى الإدارة الحالية لتقويضه بشكل كامل.
وتشير الإحصاءات الحالية إلى وجود نحو مليون طلب معلق لتعديل الوضع القانوني، وهي طلبات بات مصيرها مجهولاً في ظل السياسة الجديدة التي قد تجبر أصحابها على الرحيل القسري. وقد تضخم هذا العدد بشكل ملحوظ بعد قرارات سابقة للإدارة بتعليق معالجة الملفات عقب حوادث أمنية، مما خلق أزمة إدارية وقانونية متراكمة في دوائر الهجرة.
وحذر حقوقيون من أن إجبار المهاجرين على المغادرة قد يؤدي إلى فقدانهم لوظائفهم وضياع حقوقهم التأمينية، فضلاً عن المخاطر المتعلقة بتشتت الأسر التي يمتلك بعض أفرادها الجنسية الأمريكية. ويرى مراقبون أن هذه السياسة تهدف بشكل غير مباشر إلى تقليص أعداد المهاجرين الشرعيين عبر فرض عوائق بيروقراطية ولوجستية يصعب تجاوزها.
وعلى الصعيد القانوني، يتوقع خبراء أن تواجه دائرة الهجرة موجة من الدعاوى القضائية أمام المحاكم الفيدرالية للطعن في شرعية هذه المذكرة. ويستند المعارضون إلى أن تغييرات بهذا الحجم في لوائح الهجرة تتطلب عادة فترة إخطار عام وإتاحة الفرصة لتلقي التعليقات من الجمهور والجهات المتضررة قبل البدء في تنفيذها الفعلي.
وتأتي هذه التطورات في سياق حملة أوسع تقودها إدارة ترامب لإعادة صياغة قوانين الهجرة واللجوء، وسط انقسام سياسي حاد في واشنطن حول الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لهذه الإجراءات. وبينما تصر الإدارة على أنها تحمي سيادة القانون، يرى خصومها أنها تشن حرباً على المهاجرين الذين يساهمون بشكل فعال في الاقتصاد الأمريكي.













