لم يعد عنف المستوطنين الإسرائيليين محصوراً في استهداف الفلسطينيين وممتلكاتهم فحسب، بل امتد ليشمل الأصوات الإسرائيلية واليهودية التي اختارت الوقوف في وجه التوسع الاستيطاني وتوثيق جرائمه. وشهدت منطقة عين سامية شمال شرق رام الله حادثة اعتداء خطيرة تعرض لها وفد من النشطاء المناهضين للاستيطان، مما يعكس تحولاً في استراتيجية العصابات الاستيطانية التي باتت تستهدف كل من يعارض مشروعها.
تعرض مدير عام حركة ‘السلام الآن’، ليئور عميحاي، للضرب المبرح والاعتداء الجسدي واللفظي خلال جولة ميدانية في منطقة الينابيع التي استولت عليها مجموعات استيطانية مؤخراً. ويرى مراقبون أن هذا الهجوم ليس مجرد حادث عابر، بل هو نتيجة طبيعية لمسار متصاعد من التحريض الذي تدعمه قوى سياسية داخل الحكومة الإسرائيلية تهدف إلى فرض سيطرة مطلقة على الأراضي الفلسطينية.
الاعتداء الذي وقع في عين سامية استهدف وفداً يضم نشطاء عرباً ويهوداً، من بينهم أعضاء في حزب ‘الديمقراطيين’ الذي يرأسه يائير غولان. وقد حاصر المستوطنون المشاركين ومنعوهم من مغادرة المكان لساعات، في مشهد يعيد للأذهان عشرات الهجمات التي استهدفت المتضامنين في الأغوار والقرى المهددة بالاقتلاع والتهجير القسري.
أفادت مصادر ميدانية بأن المستوطنين حولوا منطقة ينابيع عين سامية إلى مزار سياحي خاص بهم، ونصبوا فيها أعلاماً وشعارات تدعو لبناء ‘الهيكل’ المزعوم. هذا التحول المكاني يعكس حجم السيطرة التي فرضتها المجموعات الاستيطانية بدعم وإسناد من قوات الاحتلال، خاصة في ظل انشغال الرأي العام العالمي بتداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة.
يروي ليئور عميحاي تفاصيل الاعتداء موضحاً أن مستوطنين ظهرا بشكل مفاجئ ووجها له ضربات مباشرة على الرأس والوجه لمنع المجموعة من التقدم. ورغم استدعاء الشرطة الإسرائيلية بشكل فوري، إلا أنها لم تصل إلى الموقع، بينما حضرت بسرعة وحدات الحراسة التابعة للمستوطنين والتي تضم عناصر مسلحة تعمل تحت غطاء المهام العسكرية.
المفارقة الصادمة تمثلت في إجراءات الشرطة اللاحقة، حيث خضع عميحاي للتحقيق في مركز شرطة ‘بنيامين’ للاشتباه بارتكابه اعتداءً غير مبرر، بدلاً من اعتقال المهاجمين الموثقين بالكاميرات. كما طلبت منه السلطات التوقيع على تعهد يمنعه من دخول الضفة الغربية لمدة أسبوعين، وهو ما اعتبره النشطاء محاولة واضحة لإبعاد الشهود عن مناطق الانتهاكات.
تؤكد التحركات الميدانية أن الهدف من هذه الاعتداءات هو منع التوثيق والنشر، وعزل التجمعات الفلسطينية عن أي تضامن خارجي أو داخلي. ويرى نشطاء أن المجموعات الاستيطانية تسعى لإخفاء سياسات التهجير القسري والاستيلاء على الموارد المائية، عبر ترهيب كل من يحاول إيصال الحقيقة إلى الرأي العام العالمي أو المجتمع الإسرائيلي.
العنف الاستيطاني بات جزءاً من عمل منظم يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض وإسكات كل من يحاول توثيق الجرائم أو التصدي لها.
حذرت الناشطة الميدانية يفعات ماهل من أن ما يجري في الضفة يمثل تسارعاً لمشروع اليمين المتطرف الذي استغل أحداث السابع من أكتوبر لتنفيذ مخططاته المؤجلة. وأوضحت أن المجموعات الاستيطانية لا تتسامح مع أي صوت يعارض مشروعها، سواء كان فلسطينياً أو إسرائيلياً، مما يخلق بيئة من القمع الممنهج تحت غطاء الحرب.
تتصاعد المخاوف داخل الأوساط الليبرالية في إسرائيل من انتقال هذا العنف إلى داخل الخط الأخضر والمدن المختلطة، خاصة مع تنامي نفوذ التيارات الدينية والقومية المتشددة. ويرى خبراء أن هذه المجموعات قد تُستخدم كأداة في الصراعات السياسية الداخلية، مما يهدد بتآكل ما تبقى من الطابع الديمقراطي لصالح مشروع ديني متطرف.
من جانبه، أشار المحامي سامح عراقي، مدير عام حركة ‘حرية’، إلى أن هذه الاعتداءات هي جزء من مشروع سياسي متكامل يهدف إلى كسر قدرة الفلسطينيين على الصمود. وأكد أن وجود النشطاء في القرى المهددة ضمن مشروع ‘الحضور الحامي’ يزعج المستوطنين لأنه يكسر حالة الاستفراد بالفلسطيني ويمنع الاستفراد به كهدف وحيد للعنف.
الواقع في الأغوار الشمالية يزداد تعقيداً مع تزايد ملاحقة الرعاة الفلسطينيين ومحاصرة مساكنهم، في وقت تروج فيه المجموعات الاستيطانية لمشاريع سكنية جديدة. هذا الضغط الميداني يهدف إلى خلق بيئة طاردة للسكان الأصليين، واستبدالهم بمستوطنين يحملون رؤى أيديولوجية متطرفة تجاه الأرض والإنسان.
ارتبط تنامي قوة المستوطنين بمحاولات التأثير المباشر على مؤسسات الدولة وأجهزتها القضائية والأمنية، مما جعلهم يتصرفون كقوة فوق القانون. وأصبحت الاعتداءات في التلال والقرى تجد صداها داخل المؤسسات الإسرائيلية، عبر استهداف المعارضين السياسيين والمؤسسات الحقوقية التي تفضح ممارسات الاحتلال.
إن حالة الانقسام العميق التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي توفر بيئة خصبة لتصاعد التوتر، خاصة إذا شعرت القوى الاستيطانية بتهديد لنفوذها السياسي. هذا الوضع يدفع شرائح واسعة من العلمانيين إلى التفكير في الهجرة، خوفاً من تحول البلاد إلى نظام ثيوقراطي قومي يقوده قادة المستوطنين وميليشياتهم المسلحة.
في نهاية المطاف، يبقى الصمود الفلسطيني في الأغوار والضفة هو العائق الأساسي أمام اكتمال مشروع التهجير، رغم كل محاولات الترهيب والاعتداء. وتستمر حركات السلام والنشطاء الميدانيون في محاولاتهم لتوثيق هذه الانتهاكات، مؤكدين أن المعركة على الأرض هي معركة وجود وحقيقة لا يمكن طمسها بقوة السلاح أو التحريض السياسي.













