توسع “الخط الأصفر” يهدد بابتلاع 70% من غزة ومخاوف من خنق حياة الفلسطينيين

5 يونيو 2026آخر تحديث :
توسع “الخط الأصفر” يهدد بابتلاع 70% من غزة ومخاوف من خنق حياة الفلسطينيين

يواجه سكان المناطق الحدودية في قطاع غزة واقعاً مريراً مع تمدد ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، حيث يراقب المواطن عبد الله الأسطل من منزله شرقي خان يونس تحركات الآليات العسكرية الإسرائيلية التي لا تتوقف عن قضم الأرض. وأصبحت مشاهد الجرافات وهي تهدم المنازل المجاورة جزءاً من روتين يومي مرعب، يترافق مع إطلاق نار كثيف من الطائرات المسيرة والدبابات المتمركزة على مقربة من التجمعات السكنية.

وتأتي هذه التحركات الميدانية في ظل تصريحات رسمية أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أقر فيها بأن جيشه يسيطر حالياً على نحو 60 في المئة من مساحة القطاع. ولم يكتفِ نتنياهو بذلك، بل كشف عن خطط حكومته لتوسيع هذه المساحة لتصل إلى 70 في المئة، مما يعني تقليص الحيز الجغرافي المتاح للفلسطينيين إلى أدنى مستوياته التاريخية.

وبدأت قوات الاحتلال منذ العشرين من أكتوبر الماضي بوضع علامات مادية متمثلة في مكعبات إسمنتية صفراء على طول هذا الخط، الذي كان يمثل في البداية حدود الانسحاب الجزئي عقب اتفاق وقف إطلاق النار. ويفصل هذا الخط الفاصل بين مناطق الانتشار العسكري الإسرائيلي في الجهة الشرقية، والمناطق التي يُسمح للمدنيين الفلسطينيين بالتحرك فيها جهة الغرب.

ويصف الأسطل معاناته اليومية قائلاً إن الرصاص يرتطم بجدران منزله الحديدية في كل لحظة، مما يجعل خطر الإصابة أو الموت قائماً على مدار الساعة. ويشير إلى أن الدبابات ترافق الجرافات في عمليات هدم ممنهجة للمنازل المحيطة قبل أن تنسحب، مخلفة وراءها دماراً واسعاً وحالة من الرعب الدائم بين السكان الذين رفضوا مغادرة أراضيهم.

وتتزايد المخاوف الشعبية من أن يؤدي أي توسع إضافي في هذا الخط إلى خنق مئات آلاف النازحين الذين يتكدسون أصلاً في مساحات ضيقة ومكتظة. ويرى مراقبون أن الضغط الجغرافي المتزايد سيؤدي حتماً إلى انفجار الأوضاع الإنسانية، خاصة في ظل انعدام البدائل المكانية الآمنة التي يمكن أن يلجأ إليها المدنيون الفارين من آلة الحرب.

وفي حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، يعبر المواطن حمدي ملكة عن ذات الهواجس، مؤكداً أن الحديث عن خطوط ملونة هو مجرد غطاء لعملية احتلال كاملة للقطاع. ويضيف ملكة أن عائلته لم يعد لديها بيت أو أرض تلجأ إليها، وأن التقدم الإسرائيلي الجديد يعني أنهم سيصبحون مباشرة داخل منطقة العمليات العسكرية المغلقة.

ويعيش سكان حي الزيتون وسط ركام المنازل المهدمة، حيث تلاحقهم الانفجارات وإطلاق النار في الليل والنهار دون توقف. ويؤكد السكان أن البقاء في هذه المناطق أصبح مرادفاً للموت البطيء، حيث يسقط الشهداء والجرحى بشكل شبه يومي نتيجة الاستهدافات المباشرة لكل من يتحرك بالقرب من الترسيمات الأمنية الجديدة.

إذا توسع الخط الأصفر، فأين سنذهب؟ الشعب كله محصور في مساحة صغيرة أصلا، وزيادة الضغط ستولد الانفجار.
وتتزامن هذه التطورات مع تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية داخل مخيمات النزوح، التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة من غذاء ومياه صالحة للشرب وخدمات صحية. ويحذر ناشطون حقوقيون من أن تقليص المساحات الجغرافية سيؤدي إلى موجات نزوح قسرية جديدة، مما سيزيد من الأعباء على البنية التحتية المتهالكة أصلاً بفعل القصف المستمر.

من جانبها، طالبت قوى فلسطينية المجتمع الدولي ومؤسسات السلام العالمية باتخاذ موقف حازم تجاه المخططات الإسرائيلية الرامية للسيطرة على غالبية مساحة غزة. واعتبرت هذه القوى أن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة هي إعلان صريح عن استمرار حرب الإبادة والتهجير القسري الممنهج ضد الشعب الفلسطيني في كافة مناطق تواجده.

وتشير البيانات الصادرة عن وزارة الصحة إلى أن خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار أسفرت عن سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى خلال الأشهر السبعة الماضية. وتؤكد هذه الأرقام أن المناطق التي يدعي الاحتلال أنها آمنة أو تقع خارج نطاق العمليات، لا تزال عرضة للاستهداف المباشر والقنص المتعمد للمدنيين.

إن سياسة “الخط الأصفر” المتمدد تعكس استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تهدف إلى خلق واقع جغرافي جديد يصعب تغييره في أي مفاوضات مستقبلية. ويتم ذلك عبر تدمير منهجي للمناطق العازلة وتحويلها إلى أراضٍ محروقة يمنع على أصحابها الأصليين العودة إليها أو الاستفادة من مواردها الزراعية التي كانت تمثل سلة غذاء القطاع.

وفي ظل هذا التمدد، يجد المزارعون الفلسطينيون أنفسهم محرومين من الوصول إلى أراضيهم الخصبة الواقعة شرقي القطاع، مما يفاقم من أزمة الأمن الغذائي. وتؤكد مصادر محلية أن الجيش الإسرائيلي يطلق النار على كل من يحاول الاقتراب من المكعبات الإسمنتية، حتى لو كان ذلك بغرض تفقد منزله أو أرضه المدمرة.

وتستمر حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في أكتوبر 2023 في حصد أرواح الآلاف، حيث تجاوزت حصيلة الضحايا 73 ألف شهيد و173 ألف جريح. وقد طال الدمار نحو 90 في المئة من البنية التحتية والمرافق العامة، مما جعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للحياة وفقاً لتقارير المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة.

ويبقى التساؤل المرير الذي يطرحه سكان غزة حول مصيرهم في ظل هذا الحصار الجغرافي الخانق، حيث لم تعد الخطوط الملونة مجرد حدود عسكرية بل أصبحت أسواراً للسجن الكبير. ومع كل متر يتقدمه “الخط الأصفر”، تضيق فرص النجاة وتزداد مأساة شعب يصر على البقاء فوق ركام منازله رغم كل محاولات الاقتلاع والتهجير.