أكد رئيس الوزراء الفلسطينى الدكتور محمد مصطفى، أن غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، ومسؤولية الحكومة تجاه أهلنا فى القطاع قائمة اليوم، وليست مسؤولية مؤجلة إلى ما بعد الحرب، مشيرا إلى أن حكومة فلسطين عملت بالشراكة مع مصر على حشد المجتمع الدولى وقامت بالتعاون مع الشركاء الدوليين، بتقييم الأضرار والاحتياجات، وأعددت الخطة الفلسطينية للتعافى وإعادة الإعمار، وعملت على تحويلها إلى برامج قطاعية ومشاريع وأولويات قابلة للتنفيذ، بالتوازى مع تطوير آليات التمويل اللازمة.
وأعرب رئيس وزراء فلسطين فى حوار لـ«اليوم السابع» عن تقديره عاليا الدور الذى تقوم به جمهورية مصر العربية، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، مؤكدا أن مصر بالنسبة إلى فلسطين ليست مجرد وسيط فى جهود أزمة راهنة، إنما شريك تاريخى واستراتيجى للشعب الفلسطينى وقضيته ولها دور محورى بحكم مكانتها وعلاقتها الإقليمية والدولية.
وأوضح أن ما يجرى فى الضفة الغربية لا يمكن فصله عما يجرى فى قطاع غزة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة، وما نشهده اليوم هو محاوله إسرائيلية إلى إشعال الضفة الغربية لنقل حرب الإبادة الجماعية فى قطاع غزة إلى الضفة الغربية، مشيرا إلى تواصل التغول الإسرائيلى على حقوق الشعب الفلسطينى، والتوسع الاستيطانى، ومصادرة الأراضى، وإرهاب المستوطنين.
ولفت إلى أن مسألة أموال المقاصة ليست مساعدات تقدمها إسرائيل للفلسطينيين، إنها إيرادات فلسطينية من الضرائب والجمارك تقوم إسرائيل بتحصيلها بموجب الترتيبات القائمة، ومن ثم يفترض تحويلها إلى الخزينة الفلسطينية، مؤكدا أن هذه الإيرادات والتى تجاوزت حاليا 6 مليارات دولار أو اقتطاع أجزاء منها بصورة متكررة يضع ضغوطا استثنائية على المالية العامة، ويؤثر فى قدرتنا على الوفاء بالتزاماتنا تجاه الموظفين ومقدمى الخدمات والقطاع الخاص، وينعكس بالتالى على الاقتصاد الفلسطينى ككل.وفيما يلى نص الحوار:
فى ظل استمرار الحرب والأزمة الإنسانية فى قطاع غزة، ما أبرز التحركات التى تقوم بها الحكومة الفلسطينية لمعالجة الأوضاع، وما الذى تستطيع الحكومة فعليا القيام به على الأرض فى ظل الظروف الراهنة؟
غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، ومسؤولية الحكومة تجاه أهلنا فى القطاع قائمة اليوم، وليست مسؤولية مؤجلة إلى ما بعد الحرب.
ورغم الحرب والدمار والقيود الشديدة المفروضة على عمل مؤسساتنا، تواصل الحكومة بتحمل مسؤولياتها المالية والإدارية والخدماتية لا سيما فى قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، والمياه، والخدمات البلدية، والخدمات المدنية، إلى جانب جهود الإغاثة والتنسيق مع المؤسسات الوطنية والدولية.
وفى الوقت نفسه، لم ننتظر انتهاء الحرب حتى نبدأ الاستعداد لمرحلة التعافى وإعادة الإعمار. فقد عملت الحكومة وبالشراكة مع مصر على حشد المجتمع الدولى وقامت بالتعاون مع الشركاء الدوليين، بتقييم الأضرار والاحتياجات، وأعددت الخطة الفلسطينية للتعافى وإعادة الإعمار، وعملت على تحويلها إلى برامج قطاعية ومشاريع وأولويات قابلة للتنفيذ، بالتوازى مع تطوير آليات التمويل اللازمة.
ويترافق ذلك مع تحرك سياسى ودبلوماسى تقوده القيادة الفلسطينية من أجل تعزيز الصمود على الأرض، ولحشد الجهود من أجل إنهاء الحرب، وحماية شعبنا من التهجير، وضمان وحدة قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، ومواجهة أى ترتيبات من شأنها تكريس الفصل بين أجزاء الأرض الفلسطينية أو الانتقاص من الولاية الفلسطينيةـ بالإضافة إلى العمل على المسار السياسى الذى يحقق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى فى تقرير المصير، وتجسيد استقلال دولة فلسطين.
ونعمل فى هذا الإطار بتنسيق وثيق مع جمهورية مصر العربية والأشقاء العرب وشركائنا الدوليين، سواء فى الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وضمان وصول المساعدات، أو فى التحضير للتعافى وإعادة الاعمار.
بالتأكيد، فإن قدرتنا على العمل داخل قطاع غزة ما زالت مقيدة بالواقع الميدانى والقيود على الحركة والوصول، لكن موقفنا واضح: غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، وحدة سياسية وجغرافية ومؤسسية واحدة، والحكومة الفلسطينية تتحمل مسؤوليتها تجاه شعبنا فى كل أنحاء دولة فلسطين.
كيف تقرأ الحكومة التصعيد العسكرى الإسرائيلى المتواصل فى الضفة الغربية، بما فى ذلك الاقتحامات والعمليات العسكرية والاستيطان؟ وهل تخشون من اتساع نطاق المواجهة وتحول الضفة إلى جبهة جديدة؟
ما يجرى فى الضفة الغربية لا يمكن فصله عما يجرى فى قطاع غزة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة. وما نشهده اليوم هو محاوله إسرائيلية لإشعال الضفة الغربية لنقل حرب الإبادة الجماعية فى قطاع غزة إلى الضفة الغربية، نحن أمام تصعيد، وتغول متواصل على حقوق الشعب الفلسطينى، والتوسع الاستيطانى، ومصادرة الأراضى، وإرهاب المستوطنين، ونحن نعمل من أجل وقف وردع التصعيد الإسرائيلى، وتوفير الحماية لشعبنا وأرضنا ومؤسساتنا، و للحيلولة دون فرض وقائع يصعب عكسها مستقبلا.
وجميع هذه السياسات والإجراءات الإسرائيلية تهدف إلى تقويض التواصل الجغرافى للأرض الفلسطينية وتقلص الديمغرافية وتهدد إمكانية تجسيد دولة فلسطين المستقلة والقابلة للحياة.
مسؤوليتنا كحكومة هى حماية المواطنين، وتعزيز صمود المجتمعات الأكثر استهدافا والحفاظ على عمل المؤسسات واستمرار الخدمات، بالتوازى مع التحرك السياسى والدبلوماسى مع مصر والأشقاء العرب والمجتمع الدولى.
المطلوب دوليا لم يعد مجرد التعبير عن القلق، إنما اتخاذ خطوات عملية رادعة تحول دون الضم والتوسع الاستيطانى وفرض وقائع تقوض إمكانية تطبيق حل الدولتين على الأرض.
إلى أى مدى أصبحت أزمة أموال المقاصة المحتجزة من جانب إسرائيل تهدد قدرة الحكومة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية؟ وما الخيارات المتاحة أمام السلطة للضغط من أجل الإفراج عن هذه الأموال؟
أولا، يجب توضيح مسألة أساسية: أموال المقاصة ليست مساعدات تقدمها إسرائيل للفلسطينيين، إنها إيرادات فلسطينية من الضرائب والجمارك تقوم إسرائيل بتحصيلها بموجب الترتيبات القائمة، ومن ثم يفترض تحويلها إلى الخزينة الفلسطينية.
إن حجز هذه الإيرادات والتى تجاوزت حاليا 6 مليارات دولار أو اقتطاع أجزاء منها بصورة متكررة يضع ضغوطا استثنائية على المالية العامة، ويؤثر فى قدرتنا على الوفاء بالتزاماتنا تجاه الموظفين ومقدمى الخدمات والقطاع الخاص، وينعكس بالتالى على الاقتصاد الفلسطينى ككل.
ورغم هذه الظروف والتهديد الوجودى، حافظت الحكومة على عمل المؤسسات واستمرار الخدمات الأساسية من خلال إدارة الموارد المتاحة، وضبط الإنفاق، تحسين الإيرادات المحلية، وتنفيذ إصلاحات مالية ومؤسسية، إلى جانب حشد الدعم الدولى.
لا يمكن مطالبة أى حكومة بالعمل بصورة طبيعية ومستدامة فى الوقت التى تحرم فيه من جزء أساسى من إيراداتها ولمدة طويلة جدا.
ونحن نتحرك مع الأشقاء العرب والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية وغيرها من لاستعادة هذه الحقوق. لكن التجربة أثبتت أن معالجة الأزمة بصورة مؤقتة فى كل مرة لم تعد كافية.
نحن بحاجة إلى آلية مستدامة تضمن انتظام تحويل الإيرادات الفلسطينية، وتحول دون استخدامها أداة للضغط السياسى.
وسنواصل بالتوازى تنفيذ الإصلاح المالى والمؤسسى، وحماية المال العام، وتوسيع القاعدة الاقتصادية والإيرادات المحلية. لكن الإصلاح الداخلى، مهما كان ضروريا، لا يمكن أن يكون بديلا عن استعادة حقوقنا المالية.
كيف تقيّم الدور المصرى فى الوساطة بشأن الحرب فى غزة؟ وما الذى تتوقعه الحكومة الفلسطينية من القاهرة خلال المرحلة المقبلة لدعم وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب؟
نقدر عاليا الدور الذى تقوم به مصر ، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، فمصر بالنسبة إلى فلسطين ليست مجرد وسيط فى جهود أزمة راهنة، إنما شريك تاريخى واستراتيجى للشعب الفلسطينى وقضيته ولها دور محورى بحكم مكانتها وعلاقتها الإقليمية والدولية.
نثمن بصورة خاصة الموقف المصرى الثابت فى رفض التهجير لأبناء شعبنا من قطاع غزة، والتمسك بوحدة الأرض الفلسطينية، والعمل من أجل إنهاء الحرب على غزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
كما أن التنسيق الفلسطينى – المصرى لا يقتصر على التعامل مع الوضع الإنسانى الراهن. نحن على تواصل وتشاور مستمرين حول مرحلة التعافى وإعادة الإعمار، واستعادة الخدمات، والقضايا المؤسسية والأمنية المرتبطة بالمرحلة المقبلة.
وهناك مصلحة فلسطينية ومصرية وعربية مشتركة فى ضمان ألا تتحول أى ترتيبات انتقالية تفرضها ظروف المرحلة إلى واقع دائم يفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية أو ينتقص من وحدة الأرض والولاية الفلسطينية.
ولذا نعول على استمرار الدور المصرى، إلى جانب الأشقاء العرب، ليس فقط لإنهاء الحرب ومعاناة شعبنا، وإنما أيضا لحماية الأفق السياسى وربط مرحلة ما بعد الحرب بمسار جاد يقود إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
هل ترون أن التحرك العربى والدولى الحالى قادر على إعادة القضية الفلسطينية إلى مسار سياسى جاد؟ أم أن الحرب فى غزة لا تزال تطغى على أى تحرك نحو الحل السياسى؟
لا أعتقد أن علينا الاختيار بين إنهاء الحرب وإعادة القضية الفلسطينية إلى مسار سياسى جاد، إنهاء الحرب ومعاناة أهلنا فى غزة أولوية عاجلة، لكن ذلك وحده لن يكون كافيا إذا عدنا بعده إلى إدارة الصراع بدلا من معالجة جذوره، هناك اليوم إدراك دولى أوسع بأن القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها فى أزمة إنسانية فى غزة، أو فى ترتيبات أمنية وإدارية لليوم التالى، جوهر القضية هو حق الشعب الفلسطينى فى تقرير المصير والحرية والاستقلال وتجسيد دولته، وأن الأمن والسلام والاستقرار الإقليمى لا يمكن أن يصبح حقيقة دون إعطاء الشعب الفلسطينى حقوقه.
ونحن نقدر الدور الذى تقوم به مصر والأشقاء العرب فى رفض التهجير والضم، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على حل الدولتين، ودفع المجتمع الدولى نحو موقف أكثر جدية.
كما أن إعلان نيويورك والجهود العربية والدولية المرتبطة بتنفيذ حل الدولتين وفرت أساسا مهما للانتقال من مجرد التأكيد السياسى على هذا الحل إلى تحديد خطوات عملية لتنفيذه.
لكن المعيار الحقيقى هو التنفيذ، لا نريد العودة إلى عملية سياسية مفتوحة بلا سقف زمنى ودون تطبيق القانون الدولى أو تجاهل المرجعية الواضحة، فيما يستمر الاستيطان وتتغير الوقائع على الأرض وتحاصر الديمغرافيا.
المطلوب مسار سياسى محدد الهدف والمرجعية، يقود إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقا للشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
بعد سنوات من الجمود السياسى، ما تصور الحكومة الفلسطينية لإعادة إطلاق عملية السلام؟ وهل ما زالت السلطة ترى إمكانية الوصول إلى حل الدولتين فى ظل التوسع الاستيطانى والسياسات الإسرائيلية الحالية؟
بعد كل هذه السنوات لا نعتقد أن المطلوب هو العودة ببساطة إلى الصيغة القديمة لعملية سلام بجدول زمنى مفتوح، إذ لم يعد المطلوب التفاوض مجددا على مبدأ حل الدولتين، إنما اتخاذ خطوات عملية لتنفيذه.
وهناك اليوم أساس يمكن البناء عليه، بما فى ذلك إعلان نيويورك، والجهود العربية والدولية الرامية إلى تحويل حل الدولتين من توافق سياسى دولى إلى مسار للتنفيذ.
المطلوب هو ربط المسارات التى يجرى التعامل معها أحيانا بصورة منفصلة: إنهاء الحرب فى غزة، ومنع الضم والاستيطان فى الضفة الغربية، وتوحيد غزة والضفة ضمن دولة فلسطينية واحدة، ودعم المؤسسات الفلسطينية، ووضع مسار سياسى واضح ومحدد زمنيا يقود إلى إنهاء الاحتلال. حل الدولتين لا يزال يستند إلى الشرعية الدولية ويحظى بأوسع توافق دولى لكن علينا أن نكون واضحين أيضا بأن إمكانية تطبيقه على الأرض تتعرض اليوم لخطر حقيقى نتيجة الاستيطان ومصادرة الأراضى ومحاولات الضم وتغيير الواقع الجغرافى.
ولهذا فإن الحفاظ على حل الدولتين لا يتحقق بتكرار الالتزام به فى البيانات، إنما بحماية إمكانية تنفيذه على الأرض، ومعالجة السبب والجذر الرئيس لعدم تطبيقه والمتمثل فى ضرورة انهاء الاحتلال الإسرائيلى طويل الأمد ووقف ممارساته وجرائمه على الارض.
نحن لا نحتاج إلى عملية سلام جديدة بالاسم، نحتاج إلى عملية لتنفيذ السلام وبمرجعياتها الواضحة القائمة على القانون الدولى، وقرارات الأمم المتحدة وبجدول زمنى محدد وضمانات دولية.
ما تصور الحكومة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة بعد الحرب؟ وهل هناك اتصالات فعلية مع الأطراف الإقليمية والدولية بشأن عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع؟
دعنى أولا تصحيح مفهوم «عودة» السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة وكأن غزة تقع خارج مسؤوليتنا الوطنية، غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، والحكومة لم تتوقف يوما عن تحمل مسؤولياتها تجاه أهلنا من خلال الموظفين والخدمات العامة والخدمات المدنية والإغاثة والتخطيط للتعافى وإعادة الإعمار.
تصورنا للمرحلة المقبلة يقوم على مبدأ واضح: دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات وطنية موحدة. غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، تشكل وحدة سياسية وجغرافية وقانونية واحدة.
ندرك أن ظروف الحرب تستدعى ترتيبات انتقالية مؤقتة، ونتعامل مع ذلك بمسؤولية وواقعية، لكن أى مرحلة انتقالية يجب أن تكون محددة الهدف والمدة، وأن تقود بصورة تدريجية ومنظمة إلى تولى الحكومة الفلسطينية كامل مسؤولياتها وولايتها فى قطاع غزة.
ولا ينبغى أن تنشأ فى غزة أنظمة إدارية أو مالية أو قانونية موازية، أو أن تتحول الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم يكرس الانقسام.
هناك اتصالات وتنسيق مستمر مع مصر والأشقاء العرب، ومع شركائنا الدوليين والمؤسسات المعنية، ونحن مستعدون للعمل مع كل إطار يخدم شعبنا ويسرع الإغاثة والتعافى وإعادة الإعمار، على أن تبقى الوجهة النهائية واضحة: استعادة وحدة المؤسسات والولاية الفلسطينية على كامل الأرض الفلسطينية.
إلى أى مدى توجد رؤية فلسطينية موحدة بين الحكومة والرئاسة ومختلف المؤسسات والفصائل بشأن مستقبل غزة؟ وهل تعملون على صياغة موقف فلسطينى موحد تجاه مرحلة ما بعد الحرب؟
توحيد الموقف الفلسطينى فى هذه المرحلة مسألة بالغة الأهمية، وهناك جهود وحوارات مستمرة ضمن الأطر الوطنية والسياسية المختصة.
أما من موقع الحكومة، فنحن ننطلق من ثوابت واضحة: غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، ولا دولة فى غزة ولا دولة من دون غزة، ووحدة الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة هى أساس أى ترتيب مستقبلى.
وتتركز مسؤولية الحكومة على ترجمة هذه المبادئ إلى عمل مؤسسي: استمرار الخدمات لأهلنا فى غزة، والتخطيط للتعافى وإعادة إعمار قطاع غزة، وتوحيد الأنظمة والسجلات والمؤسسات، وتجهيز المؤسسات والكوادر، والعمل مع مصر والأشقاء العرب والشركاء الدوليين لضمان أن تقود أى ترتيبات انتقالية إلى وحدة المؤسسات والولاية الفلسطينية، لا إلى تكريس الانقسام.
التعددية السياسية أمر طبيعى، لكن ما يجب أن يجمع الجميع هو وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، والاحتكام إلى الشرعية والمؤسسات الوطنية وإرادة الشعب الفلسطينى.
ما خطة الحكومة الفلسطينية لإعادة إعمار قطاع غزة؟ وهل توجد تقديرات أولية لحجم الأضرار والتكلفة؟ ومن الأطراف التى تتوقعون أن تشارك فى عملية التمويل والإعمار؟
نحن تجاوزنا بالفعل مرحلة التقديرات الأولية، فقد عملت الحكومة الفلسطينية، بالتعاون مع البنك الدولى والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى، على تقييم شامل للأضرار والخسائر والاحتياجات والتقرير الان متاح للجميع.
ووفق التقييم النهائى، تقدر احتياجات التعافى وإعادة الإعمار فى قطاع غزة نحو 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، منها حوالى 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم التعافى الاقتصادى.
لكن الأهم بالنسبة لنا ليس فقط تحديد حجم الدمار. إنما تحويل هذه التقديرات إلى خطة قابلة للتنفيذ، ولذلك عملنا على ترجمة الخطة الفلسطينية للتعافى وإعادة الإعمار إلى برامج قطاعية وأولويات ومشاريع فى مجالات المياه والصرف الصحى، والصحة والتعليم والطاقة والإسكان وإزالة الركام والزراعة والاقتصاد والخدمات الأساسية.
كما نعمل مع شركائنا على بناء آليات التمويل اللازمة، وحشد الموارد من الدول العربية والشركاء الدوليين والمؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص.
وبالنسبة لنا، إعادة إعمار غزة ليست مجرد إعادة بناء المبانى والبنية التحتية، إنها إعادة بناء حياة الناس، واستعادة الخدمات، والاقتصاد، والمؤسسات، وخلق فرص العمل، وتمكين أهلنا من البقاء على أرضهم وإعادة بناء مستقبلهم عليها.
ما الذى تتوقعونه من اجتماع بروكسل؟ وما أبرز الملفات التى تطرحها الحكومة الفلسطينية أمام الدول والجهات المانحة؟ وهل تأملون فى الحصول على تعهدات مالية جديدة لدعم الموازنة وإعادة الإعمار؟
كان اجتماع مجموعة المانحين لفلسطين فى بروكسل مهما لأنه ساعدنا على الانتقال من مناقشة الاحتياجات والخطط إلى حشد الموارد والبدء بتمويل برامج فعلية.
ومن أبرز نتائجه إطلاق الاتحاد الأوروبى، وبالعمل المشترك معنا، مبادرة Gaza Team كخطوة أولى للانتقال من الإغاثة إلى التعافى المبكر، بمساهمات والتزامات أولية بلغت نحو 883.6 مليون يورو.
الأولوية الآن هى تحويل هذه الالتزامات بسرعة إلى برامج ومشاريع يستفيد منها المواطن الفلسطينى، لا سيما إزالة الأنقاض والمأوى والخدمات البلدية والحماية الاجتماعية فى الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحى وإعادة تنشيط الاقتصاد والإنتاج.
لكن اجتماع بروكسل لم يكن متعلقا بغزة فقط. فقد ناقشنا أيضا الأزمة المالية الخطيرة التى تواجهها الحكومة نتيجة احتجاز أموال المقاصة، والحاجة إلى حماية قدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار فى تقديم الخدمات، إلى جانب برنامج الإصلاح والتطوير المؤسسى الذى تنفذه الحكومة.
ونحن ننظر إلى ما تحقق باعتباره خطوة مهمة، لكن المعيار هو التنفيذ: سرعة تحويل الالتزامات إلى موارد ومشاريع فعلية، واستمرار الدعم المستدام للمؤسسات الفلسطينية باعتبارها الأساس لأى تعافٍ ودولة فلسطينية قابلة للحياة.
هل ما زالت الحكومة ترى أن الظروف السياسية والأمنية تسمح بإجراء الانتخابات التشريعية فى نوفمبر المقبل؟ وما مدى جاهزية المؤسسات الفلسطينية لتنظيمها؟
إجراء الانتخابات وتجديد الحياة الديمقراطية أولوية وطنية، وهناك التزام واضح بالعمل على توفير الظروف اللازمة لإجراء انتخابات عامة وفق الأطر الدستورية والقانونية الفلسطينية.
أما تحديد موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية والدعوة إليها، فله أطره وصلاحياته الدستورية والقانونية. ومسؤوليتنا كحكومة هى أن نقوم بما يقع ضمن اختصاصنا لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وضمان جاهزية مؤسسات الدولة عندما تتم الدعوة إليها.
وقد أثبتت تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة قدرة المؤسسات الفلسطينية، وفى مقدمتها لجنة الانتخابات المركزية، على إدارة عملية انتخابية مهنية وشفافة، وشملت العملية الانتخابية أيضا مدينة دير البلح فى قطاع غزة رغم الظروف الاستثنائية.
أما الانتخابات العامة، فالهدف هو أن تكون انتخابات وطنية شاملة، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.بالتأكيد هناك تحديات كبيرة مرتبطة بالحرب وآثارها فى غزة، والاحتلال والقيود الإسرائيلية، وضرورة ضمان مشاركة أهلنا فى القدس، لكن هذه التحديات يجب أن تدفعنا إلى مزيد من العمل من أجل تهيئة الظروف اللازمة، لا إلى التخلى عن مبدأ الانتخابات.
فى حال إجراء الانتخابات فى موعدها، كيف يمكن ضمان مشاركة سكان غزة فى عملية التصويت، خصوصا فى ظل الظروف الأمنية والإنسانية الحالية؟ وهل توجد ترتيبات أو اتصالات بهذا الشأن؟
أى انتخابات وطنية ذات مصداقية يجب أن تكون انتخابات وطنية شاملة وحرة ونزيهة، وأن يشارك فيها أبناء شعبنا فى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وهذه ليست مسألة إجرائية فحسب، إنها مسألة تتعلق بوحدة الوطن ووحدة النظام السياسى الفلسطينى، فالانتخابات يجب أن تساعد على تجاوز الانقسام وتعزيز وحدة المؤسسات والشرعية الوطنية، لا أن تعكس التجزئة التى فرضها الاحتلال والحرب ولهذا فإن مشاركة أهلنا فى غزة، وكذلك ضمان حق أهلنا فى القدس الشرقية فى الانتخاب والترشح، أمران أساسيان.
والحكومة ستواصل العمل مع لجنة الانتخابات المركزية والمؤسسات الوطنية ذات العلاقة، ومع الأطراف الإقليمية والدولية، للمساعدة فى تهيئة الظروف التى تسمح بإجراء انتخابات وطنية شاملة عندما تتم الدعوة إليها.
هل يمكن إجراء انتخابات فلسطينية شاملة فى ظل استمرار الانقسام؟ وهل ترون أن الانتخابات يمكن أن تكون مدخلا لإنهاء الانقسام، أم أن تحقيق المصالحة يجب أن يسبقها؟
الوحدة الوطنية الفلسطينية اليوم أكثر أهمية من أى وقت مضى. ما مر به شعبنا، وخاصة فى قطاع غزة، يجعلنا أمام مسؤولية أكبر تتمثل فى حماية وحدة الأرض والنظام السياسى والمؤسسات الفلسطينية.
ونقدر فى هذا السياق الدور التاريخى والمستمر الذى تقوم به مصر فى دعم الوحدة الوطنية الفلسطينية وتقريب المواقف بين مختلف الأطراف.
ومن موقع الحكومة، مسؤوليتنا هى العمل على توحيد المؤسسات والقوانين والأنظمة والخدمات، ومنع نشوء ترتيبات منفصلة أو مؤسسات موازية فى قطاع غزة تكرس واقعا جديدا من الانقسام.
والمصالحة والانتخابات لا ينبغى النظر إليهما كمسارين متعارضين. فالحوار الوطنى ضرورى، والانتخابات أيضا وسيلة أساسية لتعزيز الشرعية القائمة على الاحتكام إلى إرادة الشعب.
الوحدة الوطنية الحقيقية تحتاج إلى مؤسسات موحدة، وقانون واحد، وحكومة واحدة تتحمل مسؤولياتها تجاه جميع أبناء شعبنا، وفى نهاية المطاف الاحتكام إلى الشعب من خلال انتخابات وطنية شاملة.
ما الذى تحقق حتى الآن فى ملف إصلاح مؤسسات السلطة والحكومة؟ وهل تواجهون ضغوطا دولية لتنفيذ إصلاحات محددة، وما أبرز العقبات أمام تنفيذها؟
منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة، وضعنا الإصلاح والتطوير المؤسسى فى صلب برنامج عملنا لأننا نؤمن بأن بناء مؤسسات قوية وشفافة وقادرة على خدمة المواطن هو جزء أساسى من مشروعنا الوطنى واستعدادنا للدولة.
وانتقلنا فى عدد كبير من الملفات من الحديث عن الإصلاح إلى التنفيذ. عملنا على إصلاح المالية العامة وإدارة الإيرادات والنفقات، وحماية المال العام، وتطوير العلاقة المالية مع الهيئات المحلية ومرافق الخدمات، ومكافحة التهريب والتعديات على الموارد والأراضى العامة.
كما نمضى فى إعادة هيكلة عدد من المؤسسات وتطوير الخدمة العامة وتسريع التحول الرقمى، وتحسين بيئة الأعمال والخدمات المقدمة للمواطن، وتعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة.
ولا ندعى أن كل شيء قد أُنجز، الإصلاح عملية مستمرة وبعض الملفات تحتاج إلى وقت، ونعمل بشفافية مع شركائنا الدوليين من أجل خلق البيئة الداعمة للإصلاح.
لكن من المهم التأكيد على أننا نقوم بالإصلاح لأنه واجب تجاه شعبنا، وليس ثمنا للحصول على حقوقنا. فلا يجوز ربط الإفراج عن الإيرادات الفلسطينية أو الحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطينى بشروط إصلاحية.
المعيار الحقيقى بالنسبة إلينا ليس الحصول على شهادة من الخارج، وإنما أن يلمس المواطن الفرق: مؤسسة أكثر كفاءة، وخدمة أفضل، ومال عام مصان، واقتصاد أكثر قدرة على العمل، ومؤسسات دولة أكثر جاهزية لتحمل مسؤولياتها.
برأيكم، ما الشكل الأكثر واقعية لليوم التالى للحرب فى غزة؟ ومن يجب أن يتحمل مسؤولية الأمن والإدارة وإعادة الإعمار؟
موقفنا واضح: غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وأى ترتيبات للمرحلة المقبلة يجب أن تحافظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن حكومة دولة فلسطين هى التى يجب أن تكون صاحبة المسؤولية باعتبارها صاحبة الولاية الدائمة على الأرض الفلسطينية المحتلة، ضمن نظام سياسى وقانونى ومؤسسى واحد.
ندرك أن ظروف الحرب قد تفرض مرحلة انتقالية وترتيبات مؤقتة، ونحن نتعامل معها بواقعية ومسؤولية، ونتعاون مع مصر والأشقاء العرب والمجتمع الدولى وكل الأطراف المعنية، بما يخدم شعبنا ويسرع الإغاثة والتعافى وإعادة الإعمار.
لكن يجب أن تكون وجهة هذه المرحلة واضحة منذ البداية. الترتيبات الانتقالية يجب أن تبقى انتقالية ومحددة زمنيا وألا تتحول إلى مؤسسات أو أنظمة موازية تفصل غزة عن الضفة الغربية أو تنتقص من الولاية الفلسطينية.
وفى ما يتعلق بالأمن والإدارة، فإن المبدأ الذى ننطلق منه هو وحدة النظام الفلسطينى ووحدة المؤسسات والمرجعية القانونية، ويمكن للدعم العربى والدولى أن يؤدى دورا مهما فى مرحلة الاستقرار وإعادة بناء القدرات، لكن فى إطار يدعم المؤسسات الفلسطينية ولا يستبدل بها.
أما إعادة الإعمار، فقد أعددنا الخطة والبرامج والأولويات وبالتعاون مع مصر، ونعمل مع شركائنا على حشد الموارد وآليات التمويل اللازمة، ونريد أن تكون عملية الإعمار بقيادة وملكية فلسطينية، وضمن إطار يحافظ على وحدة الاقتصاد والمؤسسات والأرض الفلسطينية.
وفى النهاية، نجاح أى مرحلة انتقالية لا يقاس فقط بما تنجزه خلال وجودها، بل بقدرتها على إنهاء مهمتها ونقل المسؤوليات بصورة تدريجية ومنظمة وكاملة إلى دولة فلسطين.













