تشهد خارطة قطاع غزة تحولات ميدانية متسارعة تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي عبر عمليات تدمير واسعة وتوسيع لمناطق السيطرة العسكرية. ولا تقتصر هذه التحركات على العمليات القتالية، بل تمتد لتشمل تجريفاً ممنهجاً للأراضي الزراعية ونسفاً للمباني السكنية والمرافق الحيوية.
ووثقت تقارير حقوقية صادرة عن مؤسسة الضمير مساراً تصعيدياً منذ مطلع شهر سبتمبر الجاري، حيث استهدفت قوات الاحتلال 16 منزلاً ومجمعاً تجارياً ومبنى طبياً خلال عشرة أيام فقط. هذه العمليات أدت إلى خروج عشرات الوحدات السكنية عن الخدمة بشكل كامل، مما يفاقم أزمة النزوح الداخلي.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن التدمير يتركز في المناطق الواقعة خارج السيطرة المباشرة، بالتزامن مع عمليات تطهير عرقي وتجريف داخل ما يسمى ‘الخط الأصفر’. ويهدف الاحتلال من خلال هذه الاستراتيجية إلى تأمين ممرات عسكرية دائمة وعزل الأحياء السكنية عن بعضها البعض.
من جانبه، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن توجهات واضحة لزيادة رقعة السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع لتصل إلى 70% بدلاً من 60%. وتأتي هذه التصريحات لتعزز المخاوف من نية الاحتلال البقاء طويل الأمد وتحويل أجزاء واسعة من غزة إلى مناطق عازلة.
وفي سياق متصل، يروج وزراء متطرفون في الحكومة الإسرائيلية، من بينهم إيتمار بن غفير ويسرائيل كاتس، لخطط تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرياً. ويرى مراقبون أن التدمير الممنهج للمنازل هو الأداة الأساسية لجعل الحياة مستحيلة ودفع السكان نحو النزوح الخارجي.
وأفادت مصادر حقوقية بأن جيش الاحتلال استخدم تقنيات تدميرية فتاكة، شملت عربات مفخخة محملة بأطنان من المتفجرات لتسوية مربعات سكنية بالأرض. هذه السياسة طالت بشكل خاص الأحياء الشرقية والمناطق الحدودية التي يسعى الاحتلال لتحويلها إلى مناطق خالية من السكان.
الاحتلال يسعى لجعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للعيش عبر تدمير المربعات السكنية وحصر السكان في شريط ضيق.
مدير مؤسسة الضمير، علاء السكافي، أكد أن مدينة رفح وبلدات بيت حانون وبيت لاهيا تعرضت لعمليات مسح جغرافي شاملة. وأوضح أن الاحتلال يتعمد استهداف الممتلكات المدنية دون إنذار مسبق في كثير من الأحيان، مما يؤدي إلى وقوع ضحايا تحت الأنقاض.
وتشير التقارير إلى أن الاحتلال يفرض واقعاً جغرافياً جديداً يقسم القطاع إلى كانتونات معزولة عبر ممرات أمنية محصنة. هذه الممرات لا تمنع حركة السكان فحسب، بل تحول دون عودة النازحين إلى ديارهم في الشمال والمناطق الوسطى.
الواقع الحالي يشير إلى تكدس أكثر من مليوني فلسطيني في شريط ساحلي ضيق لا يتجاوز 35% من مساحة القطاع الكلية. هذا التكدس في ظل انعدام البنية التحتية يخلق كارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة في واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية.
وتستمر سلطات الاحتلال في وضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية والمواد اللازمة لإعادة الإعمار أو حتى الترميم البسيط. هذا الحصار المطبق يتكامل مع عمليات الهدم الميدانية لضمان استمرار حالة الشلل في كافة مرافق الحياة الأساسية.
ويرى محللون أن رفض حكومة نتنياهو الانتقال للمراحل التالية من اتفاقات وقف إطلاق النار يعكس رغبة في استكمال المخطط الجغرافي. فالهدف المعلن بتدمير الأنفاق بات غطاءً لعملية تغيير ديموغرافي وجغرافي شاملة في قطاع غزة.
إن ما يجري رصده اليوم يتجاوز حدود العمل العسكري التقليدي إلى كونه محاولة لإعادة هندسة القطاع بما يخدم الأهداف الأمنية والسياسية للاحتلال. وتبقى التساؤلات قائمة حول قدرة المجتمع الدولي على وقف هذا التغول الذي يهدد الوجود الفلسطيني في غزة.












