روسيا تشرع في انتخابات برلمانية وسط تداعيات الحرب واستبعاد للمعارضة المناهضة للنزاع

19 سبتمبر 2026آخر تحديث :
روسيا تشرع في انتخابات برلمانية وسط تداعيات الحرب واستبعاد للمعارضة المناهضة للنزاع

بدأ الناخبون الروس، يوم الجمعة، الإدلاء بأصواتهم في انتخابات برلمانية تمتد لثلاثة أيام لاختيار أعضاء مجلس النواب ‘الدوما’. وتكتسب هذه الدورة الانتخابية أهمية خاصة لكونها الأولى من نوعها منذ اندلاع النزاع المسلح في أوكرانيا عام 2022، مما يجعلها اختباراً لمدى التماسك الداخلي.

تجري العملية الانتخابية في ظل مشهد سياسي يسيطر عليه حزب ‘روسيا الموحدة’، وهو الذراع السياسي الرئيسي للكرملين. وتدعم بقية الأحزاب الممثلة في البرلمان سياسات الرئيس فلاديمير بوتين بدرجات متفاوتة، مما يقلص مساحة التباين السياسي الجوهري داخل أروقة السلطة التشريعية.

في المقابل، قضت المحكمة العليا الروسية باستبعاد حزب ‘يابلوكو’ الليبرالي من قوائم الأحزاب المشاركة، وهو الحزب الوحيد المسجل الذي أعلن صراحة معارضته للحرب. هذا القرار جاء ليحرم التيار المناهض للعمليات العسكرية من تمثيل حزبي موحد في القوائم الوطنية.

تتزامن هذه الانتخابات مع ضغوط اقتصادية متزايدة تواجهها موسكو، بالإضافة إلى تصاعد الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة على منشآت نفطية وحيوية. وقد أدت هذه التطورات الميدانية إلى جعل تداعيات الحرب حاضرة بقوة في الوجدان اليومي للمواطن الروسي والناخبين على حد سواء.

يشارك في هذا الاستحقاق أكثر من 111 مليون ناخب مؤهل، مع اعتماد تقنيات التصويت الإلكتروني في مناطق محددة لتسهيل العملية. ولا تقتصر الانتخابات على مجلس الدوما، بل تشمل اختيار حكام لـ 11 منطقة وأعضاء مجالس تشريعية محلية في 39 منطقة أخرى.

يتألف مجلس الدوما من 450 مقعداً، يتم انتخاب نصفهم عبر نظام القوائم الحزبية النسبية، بينما يُنتخب النصف الآخر عبر الدوائر الفردية. هذا النظام المزدوج يمنح الناخبين القدرة على التصويت مرتين، مرة للحزب ومرة للمرشح المستقل أو الحزبي في دائرتهم.

أثارت عملية التصويت في المناطق الأوكرانية التي أعلنت روسيا ضمها، بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم، موجة من الانتقادات الدولية الواسعة. وأكدت مصادر أن أوكرانيا ترفض الاعتراف بشرعية هذه الانتخابات وتعتبرها انتهاكاً لسيادتها وسلامة أراضيها المعترف بها دولياً.

الكرملين يرى في الانتخابات مناسبة لإظهار حجم الدعم الشعبي لسياساته، في وقت يفرض فيه النظام السياسي قيوداً مشددة على المعارضة والمنافسة الانتخابية.
يظل حزب ‘روسيا الموحدة’ هو القوة المهيمنة، حيث يسعى للحفاظ على أغلبية الثلثين التي حققها في انتخابات عام 2021. وتضم قوائم الحزب شخصيات بارزة مثل وزير الخارجية سيرغي لافروف وعمدة موسكو سيرغي سوبيانين، لتعزيز الثقل السياسي للتشكيل الحاكم.

برز في قوائم الحزب الحاكم أيضاً مراسل الحرب يفغيني بودوبني، الذي أصيب سابقاً في هجمات مسيرة، في إشارة واضحة لدمج الرموز المرتبطة بالجبهة في العمل السياسي. ويعكس هذا التوجه محاولة السلطة ربط المؤسسة التشريعية مباشرة بالمجهود الحربي الجاري.

من جهة أخرى، يبرز الحزب الشيوعي الروسي كأقدم القوى السياسية المعارضة شكلياً في الدوما تحت قيادة غينادي زيوغانوف. ورغم انتقاداته لبعض السياسات الاجتماعية، إلا أن الحزب يظل داعماً قوياً للرئيس بوتين وللعمليات العسكرية في أوكرانيا.

أما الحزب الليبرالي الديمقراطي ‘LDPR’، فيواصل حضوره القومي المتشدد بعد وفاة مؤسسه فلاديمير جيرينوفسكي. ويقود الحزب حالياً ليونيد سلوتسكي، الذي يتبنى خطاباً حاداً تجاه الغرب ويدعم بشكل كامل التوجهات العسكرية الحالية للدولة الروسية.

شهدت قوائم الحزب الليبرالي الديمقراطي ترشيح فيكتور بوت، تاجر السلاح الذي أُطلق سراحه في صفقة تبادل مع الولايات المتحدة عام 2022. ويعد وجود بوت في القوائم الانتخابية رسالة تحدٍ واضحة للضغوط الغربية وتأكيداً على احتضان الدولة لشخصياتها العائدة من الخارج.

حزب ‘الناس الجدد’، الذي تأسس كصوت لليبرالية الشبابية ورجال الأعمال، يبدو أنه انخرط في التوافقات السياسية العامة للكرملين. ورغم بدايته كقوة معارضة تكنوقراطية، إلا أن مواقفه الأخيرة أصبحت تتماشى مع السياسات العليا للدولة، مما أضعف صورته كبديل مستقل.

ختاماً، تشارك قوى صغيرة أخرى مثل حزب ‘الوطن’ وحزب المتقاعدين، وهي أحزاب تدور في فلك السياسة الرسمية وتساهم في إعطاء طابع تعددي للانتخابات. ومع ذلك، يبقى استبعاد القوى الراديكالية المعارضة هو السمة الأبرز التي طبعت هذا الاستحقاق الانتخابي المثير للجدل.