صادقت الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز على حزمة تضم 21 إجراءً استثنائياً يهدف إلى احتواء أزمة السكن المتفاقمة في البلاد. جاء هذا التحرك الحكومي عقب موجة من الاحتجاجات الغاضبة التي اجتاحت شوارع مدريد وبرشلونة، حيث طالب عشرات الآلاف بتدخل فوري لخفض أسعار الإيجارات ووقف عمليات الإخلاء القسري.
وشهدت مدينة برشلونة مواجهات ميدانية وأعمال عنف تزامنت مع المظاهرات الحاشدة، مما وضع الحكومة تحت ضغط شعبي هائل. وقد اندلعت هذه التحركات بشكل مكثف بعد واقعة إخلاء المسنة ماريا ديل كارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 عاماً، من منزلها في العاصمة مدريد الشهر الماضي، وهي الحادثة التي تحولت إلى رمز لمعاناة المستأجرين.
وتسعى الحكومة من خلال هذه القرارات إلى الالتفاف على العرقلة البرلمانية التي واجهتها الأسبوع الماضي، حيث رفضت المعارضة اليمينية مراسيم مماثلة. وبسبب غياب الأغلبية البرلمانية، اضطر سانشيز للدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة من المقرر إجراؤها في التاسع والعشرين من نوفمبر المقبل، في محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي.
تتضمن الحزمة الجديدة بنوداً صارمة تمنع شراء العقارات لأغراض المضاربة المالية، وهو ما يراه مراقبون خطوة لتهدئة الأسعار المشتعلة. كما أقرت الحكومة فرض ضرائب جديدة على الإيجارات الموسمية التي تستهدف السياح، بالإضافة إلى تنظيم قانوني جديد لتأجير الغرف الفردية الذي كان يفتقر للرقابة الكافية.
وفي الجانب المالي، أعلن رئيس الوزراء عن إنشاء صندوق سيادي ضخم بقيمة 10 مليارات يورو مخصص لدعم المواطنين في تملك مسكنهم الأول. وسيوفر هذا الصندوق قروضاً ميسرة تصل قيمتها إلى 50 ألف يورو للشخص الواحد، مع تقديم إعانات مباشرة لتحفيز قطاع البناء وتوفير وحدات سكنية بأسعار معقولة.
لن نسمح بمزيد من عمليات الإخلاء مثل تلك التي تعرضت لها ماريكارمن، إننا نتحدث عن ملايين المواطنين الذين ينتظرون الشجاعة في الوقوف بوجه أصحاب النفوذ.
كما شملت الإجراءات تمديد الحماية القانونية ضد الإخلاء للسكان المصنفين ضمن الفئات الأكثر ضعفاً اقتصادياً واجتماعياً. وتهدف هذه الخطوة إلى منع تكرار المآسي الإنسانية المرتبطة بفقدان السكن، مع تقديم حوافز وإعفاءات ضريبية للملاك والمستأجرين الذين يلتزمون بسداد الدفعات المالية في مواعيدها المحددة.
وأكد سانشيز في تصريحات صحفية من القصر الرئاسي أن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استمرار عمليات الإخلاء التي تضر بكبار السن والعائلات. وأشار إلى أن الدفاع عن حق السكن ليس قضية أيديولوجية، بل هو مسألة تتعلق بالمنطق السليم وحماية كرامة ملايين الإسبان الذين يعانون من جشع الأسواق.
ومن المقرر أن تُعرض هذه الإجراءات على هيئة تشريعية مؤقتة تتولى المهام بعد حل البرلمان الحالي، وتتألف هذه الهيئة من 69 عضواً فقط. وتحتاج الحكومة إلى تأييد 35 عضواً لضمان نفاذ هذه القوانين، وهو مسار قانوني أسرع لضمان عدم تعطل الحلول العاجلة خلال الفترة الانتقالية التي تسبق الانتخابات.
ووجه رئيس الوزراء نداءً إلى أحزاب المعارضة بضرورة تغليب المصلحة الوطنية ودعم هذه الخطوات بعيداً عن التجاذبات السياسية. وشدد على أن الشارع الإسباني ينتظر حلولاً ملموسة، وأن على الممثلين السياسيين إظهار الشجاعة الكافية لمواجهة أصحاب النفوذ العقاري الذين يتربحون من أزمة السكن الحالية.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تعيش فيه إسبانيا حالة من الاستقطاب السياسي الحاد، حيث يراقب الشارع مدى قدرة هذه الإجراءات على خفض التضخم العقاري. ويرى خبراء أن نجاح هذه الحزمة قد يكون الورقة الرابحة لسانشيز في الانتخابات المقبلة، أو قد يفاقم الأزمة إذا ما استمرت الاحتجاجات في التصاعد.













