انطلقت في مدينة تامبا بولاية فلوريدا الأمريكية اجتماعات عسكرية برعاية الولايات المتحدة، تجمع وفوداً من لبنان وقوات الاحتلال لبحث الترتيبات الأمنية الميدانية. تهدف هذه اللقاءات التي تستمر لمدة يومين إلى وضع آليات عملية لتنفيذ التفاهمات الأمنية المتعلقة بالحدود اللبنانية الجنوبية، وسط استمرار الخلافات الجوهرية حول الرقابة والتحقق.
تُعقد هذه المباحثات في مقر القيادة المركزية الأمريكية بمشاركة خبراء عسكريين، بعيداً عن المسار السياسي الذي لم يحدد موعد لاستئنافه بعد. وأفادت مصادر بأن اليوم الأول من الاجتماعات شهد نقاشات حادة ومعقدة، تركزت بشكل أساسي على تحديد الجهة التي ستمتلك صلاحية التحقق من تنفيذ الالتزامات على الأرض في المناطق الحدودية.
أكدت مصادر مطلعة أن المحادثات تقتصر على الجانب الأمني الفني ضمن الإطار الثلاثي الذي تيسره واشنطن، سعياً لتعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب. وتأتي هذه الجولة بعد توقف دام نحو شهرين ونصف منذ آخر اجتماع عسكري عُقد في العاصمة الإيطالية روما، في محاولة لكسر الجمود الميداني الراهن.
بالتزامن مع هذه الاجتماعات، فند الجيش اللبناني في بيان رسمي ما وصفها بالادعاءات الباطلة التي يروج لها جيش الاحتلال بشأن عمل الوحدات اللبنانية في منطقة جنوب الليطاني. وشدد البيان على أن الاحتلال يحاول التشكيك في قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه الوطنية بالتزامن مع استمرار المفاوضات الجارية.
أوضح الجيش اللبناني أن حملات التضليل ونشر الأكاذيب التي يمارسها الاحتلال تهدف إلى النيل من مصداقية المؤسسة العسكرية اللبنانية على المستويين المحلي والدولي. واتهم البيان قوات الاحتلال بمواصلة خرق التفاهمات القائمة بشكل مستمر، مؤكداً التزام الجيش الكامل بأداء واجباته في حماية السيادة الوطنية.
جاء الرد اللبناني عقب اتهامات وجهها جيش الاحتلال للجيش اللبناني بالتقاعس عن إزالة بنى تحتية عسكرية في الجنوب، وهي المهمة التي نصت عليها تفاهمات عام 2024. واعتبرت بيروت أن هذه الاتهامات تندرج في إطار الضغط السياسي والميداني الذي يمارسه الاحتلال لفرض شروط أمنية جديدة.
كشف الجيش اللبناني تفاصيل تتعلق بمعالجة منشأة عسكرية في بلدة كفرا بقضاء بنت جبيل، حيث بدأت الوحدات العمل فيها منذ ديسمبر الماضي. وأشار البيان إلى أن العمل توقف في مارس الماضي بناءً على طلب لجنة الإشراف الدولية بسبب تهديدات الاحتلال بقصف المنطقة، مما حال دون استكمال المهمة حينها.
77.jpg
77.jpg
أكدت القيادة العسكرية اللبنانية أنها أبلغت لجنة الإشراف بأن كميات من العتاد والذخائر ظلت داخل المنشأة بسبب الرفض الإسرائيلي المتكرر لتأمين استئناف العمل. وتعرضت المنشأة لاحقاً لقصف من قبل طيران الاحتلال، قبل أن يتمكن الجيش اللبناني من استئناف العمل في أغسطس الماضي وإنجاز المهمة وإغلاقها نهائياً.
شدد الجيش اللبناني على أن جميع الوقائع والإجراءات الميدانية موثقة بالكامل لدى لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية، مما يدحض الرواية الإسرائيلية جملة وتفصيلاً. وتأتي هذه التوضيحات لقطع الطريق على محاولات الاحتلال استخدام الملف الأمني كذريعة لتصعيد عدوانه على الأراضي اللبنانية.
على الجانب الآخر، صرح وزير أمن الاحتلال يسرائيل كاتس بأن قواته فرضت سيطرتها على منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية تقدر مساحتها بنحو 700 كيلومتر مربع. وزعم كاتس أن جيش الاحتلال لن ينسحب من هذه المناطق حتى يتم تحقيق أهدافه العسكرية كاملة في نزع سلاح المقاومة في كافة أنحاء لبنان.
هدد وزير أمن الاحتلال بتوسيع العمليات العسكرية لتشمل منطقتي النبطية والليطاني وضمهم بشكل دائم إلى ما يسمى بالمنطقة الأمنية التي يحاول الاحتلال فرضها. كما توعد بأن أي استهداف للمستوطنات في شمال فلسطين المحتلة سيقابله رد مباشر وعنيف يستهدف الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت.
يواصل جيش الاحتلال تنفيذ غاراته واعتداءاته في جنوب لبنان، مع استمرار احتلاله لمواقع ونقاط حدودية داخل الأراضي اللبنانية في خرق واضح للقرارات الدولية. وتتزامن هذه الاعتداءات مع تعنت الاحتلال في ملف الانسحاب ورفضه للترتيبات الأمنية التي تضمن السيادة اللبنانية الكاملة على أراضيها.
تسعى الولايات المتحدة من خلال اجتماعات فلوريدا إلى وضع جدول زمني لتعزيز انتشار الجيش اللبناني وتحديد المسؤوليات الأمنية بدقة لمنع انهيار التفاهمات. ومع ذلك، تظل الفجوة واسعة بين المطالب اللبنانية بالانسحاب الكامل وبين رغبة الاحتلال في إبقاء سيطرة أمنية مباشرة على أجزاء من الجنوب.
تترقب الأوساط السياسية نتائج اليوم الثاني من اجتماعات تامبا، وما إذا كانت ستفضي إلى اتفاق حول آلية الرقابة الدولية. ويبقى الميدان في جنوب لبنان ساحة للتوتر المستمر في ظل إصرار الاحتلال على مواصلة عدوانه ورفضه الالتزام بالاتفاقيات المبرمة تحت رعاية دولية.













