كشفت تقارير إعلامية عن عرض عقار تاريخي استثنائي في قلب مدينة القدس المحتلة للبيع بمبلغ يصل إلى 17.4 مليون دولار أمريكي. ويُعرف هذا المبنى باسم ‘بيت الأسقف’، ويقع في شارع الأنبياء الحيوي الذي يفصل بين شطري المدينة المحتلة، مما يمنحه أهمية استراتيجية وتاريخية فائقة.
يعود تاريخ تشييد العقار إلى عام 1876 خلال أواخر العهد العثماني، وهي الفترة التي شهدت تزايداً في نفوذ البعثات الأجنبية والقنصليات الغربية في القدس. وقد استغل الأجانب في تلك الحقبة قوانين تملك الأراضي التي سُنت عقب حرب القرم عام 1856 لتثبيت موطئ قدم لهم داخل وخارج أسوار المدينة المقدسة.
أفادت مصادر بأن المبنى يتكون من طابقين بمساحات شاسعة، حيث تبلغ مساحة الطابق الأرضي نحو 3930 متراً مربعاً، بينما يمتد الطابق الثاني على مساحة 2690 متراً مربعاً. ويتميز العقار بإطلالة مباشرة على أسوار البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك، مما يرفع من قيمته المادية والرمزية.
تؤكد الدراسات التاريخية أن ‘بيت الأسقف’ شُيّد بأيدي بنّائين وحجّارين عرب، وتحديداً من مدينة بيت لحم التي جُلب منها الحجر الأحمر الوردي المشهور. ويظهر الطراز المعماري العربي بوضوح في تصميم النوافذ المزدوجة المعروفة بنظام ‘المِجوِز’ والأقواس التي تعلوها لتخفيف الأحمال الإنشائية.
مرّ العقار بتحولات دراماتيكية في ملكيته واستخداماته على مر العقود، فبعد أن كان مقراً لأسقف أنجليكاني، تحول خلال الحرب العالمية الثانية إلى مصنع للزجاج. وفي مراحل لاحقة، استُخدم المبنى كروضة أطفال تديرها بعثة فنلندية قبل أن ينتقل إلى ملكية أفراد وشركات خاصة.
في سبعينيات القرن الماضي، سكنت العقار عائلة رجل الأعمال البريطاني روبرت ماكسويل، الذي ارتبط اسمه لاحقاً بانهيارات مالية كبرى. ومع مرور الوقت، انتقلت السيطرة على المبنى إلى شركة ‘أزوريم’ العقارية الإسرائيلية التي استغلت الأراضي المحيطة به لبناء عشرات الشقق السكنية للمستوطنين.
باعت الشركة الإسرائيلية المبنى قبل سنوات لمستثمر يهودي بريطاني من عائلة ‘بولاك’، إلا أن الأخير لم يسكن فيه قط وظل المبنى مستخدماً كمكتب مبيعات للمشاريع الاستيطانية المجاورة. واليوم، يعود العقار إلى واجهة المزادات العلنية ليعكس حجم التهديد الذي يواجه الموروث المعماري في القدس.
البناء بمعماره وفنه عمل عليه عرب، ويجمع بين العمارة المحلية المحدثة السائدة في القرن الـ19 والعمارة الأوروبية.
يقع العقار في شارع الأنبياء، وهو أحد أقدم الشوارع التي نشأت خارج أسوار القدس القديمة في نهاية القرن التاسع عشر. ويمتد الشارع من منطقة باب العامود وصولاً إلى قلب المدينة الغربي، مشكلاً حلقة وصل جغرافية وتاريخية بين القدس القديمة والحديثة.
كان يُطلق على هذا الشارع قديماً اسم ‘شارع المستشفيات’ و’شارع القنصليات’ نظراً لتركز المؤسسات الطبية والبعثات الدبلوماسية الدولية فيه. ومن أبرز معالمه المستشفى الإيطالي والإنجليزي، بالإضافة إلى قنصليات دول كبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا وإثيوبيا.
أفادت مصادر تاريخية بأن تسمية الشارع تعود إلى فترة الانتداب البريطاني، حيث أطلق عليه الحاكم العسكري ‘رونالد ستورس’ هذا الاسم في العشرينيات. ويُعتقد أن التسمية جاءت لوجود مقامات وأضرحة تنسب للأنبياء، من أشهرها مقام النبي عُكاشة الذي يضم جامعاً تاريخياً.
يعاني جامع النبي عُكاشة الموجود في المنطقة من إهمال متعمد منذ عام 1948، حيث ترفض السلطات الإسرائيلية ترميمه أو الحفاظ عليه. ويعد هذا المسجد نموذجاً لمئات المعالم الإسلامية والمقدسات التي تعرضت للتهميش والاندثار في المناطق التي هُجر أهلها قسراً.
يشير خبراء عقاريون إلى أن ندرة عرض مثل هذه العقارات للبيع تعود للقيود الصارمة المفروضة على المباني التاريخية. ومع ذلك، تحول شارع الأنبياء إلى منطقة جذب كبرى للمستثمرين بسبب طابعه المعماري الفريد وقربه من بوابات البلدة القديمة مثل باب الخليل وباب العامود.
تثير عمليات البيع والمزايدة على هذه العقارات مخاوف المقدسيين من استمرار سياسة تهويد الفضاء العمراني وتغيير هوية المدينة. فالمباني التي شيدت كقصور لعائلات مقدسية أو مؤسسات دينية باتت اليوم عرضة لصفقات تجارية تخدم الأجندات الاستيطانية في المدينة المحتلة.
يبقى ‘بيت الأسقف’ شاهداً على التحولات السياسية والعمرانية التي عصفت بالقدس منذ العهد العثماني وحتى اليوم. ورغم محاولات تغيير هويته، تظل حجارته الحمراء وتصميمه العربي دليلاً حياً على هوية البنّاء الفلسطيني الذي وضع لمساته في كل ركن من أركان المدينة.













