كشف مجند بريطاني يدعى ديفيد ماكينتوش عن تفاصيل مروعة شاهدها خلال خدمته العسكرية في قطاع غزة، حيث وثق عبر مقاطع فيديو وحشية قوات الاحتلال الإسرائيلي في التعامل مع المدنيين الفلسطينيين الباحثين عن الطعام. وأوضح المجند أن هذه الانتهاكات جرت في محيط نقاط توزيع المساعدات التابعة لمؤسسة ‘غزة الإنسانية’، وهي المبادرة التي أطلقتها الولايات المتحدة سابقاً لتأمين الإغاثة في القطاع.
وأظهرت المقاطع المصورة التي نشرها ماكينتوش عبر حساباته الشخصية جنوداً إسرائيليين يتمركزون فوق دباباتهم ويفتحون نيران أسلحتهم بشكل مباشر وصادم تجاه طوابير الجوعى. ووصف المجند هذه الأفعال بأنها كانت تتم بدافع ‘التسلية’ من قبل الجنود، مشيراً إلى أن المواقع التي شهدت هذه الجرائم هي ذاتها التي ارتقى فيها مئات الفلسطينيين وهم ينتظرون الحصول على حصص غذائية يسيرة.
وفي تعليقه على المشاهد، أكد المجند البريطاني أن ما رآه كان مؤلماً للغاية ولا يمكن استيعابه، رغم أنه كان يعمل ضمن قوة مشتركة تضم عناصر من النخبة في الجيش الأمريكي. وأشاد بمهارات زملائه في القوة المشتركة، لكنه شدد على أن القوات الإسرائيلية المحيطة بتلك المواقع لم تظهر أي نوع من الإنسانية، بل كانت تتعمد استهداف المدنيين العزل بدم بارد.
واتهم ماكينتوش جيش الاحتلال بمحاولة تخريب العمل الإغاثي بشكل ممنهج عبر ترهيب السكان وقتلهم في أكثر اللحظات ضعفاً. وأشار إلى أن الفلسطينيين في تلك المناطق كانوا يرفضون الاستسلام للجوع أو ترك عائلاتهم تموت، وهو ما كان يقابل برصاص الاحتلال الذي ارتكب جرائم حرب واضحة وسهلة التوثيق في تلك النقاط الحساسة.
وقد أثارت هذه الشهادة موجة واسعة من الغضب عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول نشطاء وحقوقيون المقاطع كدليل إضافي على حرب الإبادة الجماعية. واستذكر المدونون الانتهاكات التي ارتبطت بعمل مؤسسة ‘غزة الإنسانية’، معتبرين أن وجودها لم يوفر الحماية للمدنيين بل حولهم إلى أهداف سهلة للقناصة والقذائف الإسرائيلية.
ونقلت مصادر محلية شهادات مؤلمة لعائلات فقدت أبناءها في تلك المواقع، حيث ذكر أحد المواطنين أن عمه استشهد أثناء بحثه عن طعام لأطفاله في ذات النقطة التي صورها الجندي. وأكدت الشهادات أن الاحتلال كان يمنع أي محاولات لتوثيق هذه الإعدامات الميدانية، بل وصل الأمر إلى دفن بعض الضحايا وهم أحياء تحت أنقاض مراكز التوزيع.
ووصف مراقبون المشاهد بأنها تجسيد لعمليات ‘اصطياد’ البشر، حيث يتم استدراج الجائعين إلى مناطق مكشوفة بذريعة توزيع المساعدات ثم يتم استهدافهم. ورأى حقوقيون أن هذه المقاطع تفضح زيف الشعارات الإنسانية التي رفعت عند إنشاء هذه المراكز، مؤكدين أن غياب المحاسبة الدولية هو ما شجع الاحتلال على الاستمرار في هذه الممارسات.
القوات الإسرائيلية كانت تطلق النار على المدنيين علناً ولمجرد التسلية في مواقع الإغاثة.
وأشار نشطاء فلسطينيون إلى أن مؤسسة ‘غزة الإنسانية’ غادرت القطاع تاركة خلفها إرثاً من الدماء والذكريات القاسية، حيث اتهمت بأنها كانت ‘أشد قسوة من القذائف’. واعتبروا أن ما نشره الجندي البريطاني يمثل بداية لمرحلة جديدة من كشف الحقائق التي حاول الاحتلال طمسها طوال فترة الحرب، مشددين على ضرورة تقديم هذه الأدلة للمحاكم الدولية.
وفي سياق متصل، لفت بعض سكان القطاع إلى أن الجنود الأمريكيين المشاركين في القوة المشتركة لم يكونوا بعيدين عن المشهد، بل اتهمهم البعض بالمشاركة الضمنية أو الفعلية في بعض الاعتداءات. وأكدوا أن مأساة الجوع التي فرضها الاحتلال تم استغلالها عسكرياً وأمنياً لاستدراج المواطنين إلى ‘مصائد موت’ محققة تحت غطاء إغاثي.
وتشير البيانات الإحصائية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أرقام صادمة تتعلق بضحايا هذه المراكز، حيث استشهد نحو 1109 فلسطينيين بشكل مباشر نتيجة القصف أو إطلاق النار داخل أو حول مراكز التوزيع الأمريكية. ومن بين هؤلاء الضحايا 225 طفلاً و852 بالغاً و32 مسناً، سقطوا جميعاً وهم يحاولون تأمين لقمة العيش.
وبحسب الإحصائيات، فإن إجمالي عدد الشهداء الذين استهدفوا أثناء انتظار المساعدات طوال عامين من الحرب بلغ 1506 شهداء، بالإضافة إلى أكثر من 19 ألف مصاب. وهذا يعني أن عدد الشهداء الذين سقطوا أمام مراكز مؤسسة ‘غزة الإنسانية’ وحدها يمثل نحو 73% من إجمالي ضحايا استهداف المساعدات في القطاع.
وكانت المؤسسة قد بدأت عملها في مايو من العام الماضي كبديل فرضته الظروف والقيود الإسرائيلية على الوكالات الدولية والأممية. إلا أن خبراء الأمم المتحدة حذروا منذ البداية من أن هذه الآلية قاصرة وتفتقر لضمانات السلامة، حيث كانت تدير 4 مراكز فقط في وقت يحتاج فيه القطاع لمئات النقاط الإغاثية لتجنب الازدحام والاستهداف.
وتؤكد التقارير الميدانية أن تحول مراكز الإغاثة إلى ساحات للإعدام الميداني يعكس سياسة تجويع ممنهجة تتبعها سلطات الاحتلال لكسر إرادة الحاضنة الشعبية. وتأتي شهادة الجندي البريطاني لتعزز هذه الرواية، واصفة المشاهد بأنها تشبه لقطات من أفلام الخيال المظلم، حيث يقتل الإنسان لمجرد رغبته في البقاء على قيد الحياة.
ختاماً، تبقى هذه الوثائق والمقاطع شاهداً حياً على واحدة من أبشع فصول الحرب على غزة، حيث امتزج فيها الجوع بالرصاص. ويطالب حقوقيون بضرورة فتح تحقيق دولي مستقل في دور القوات المشتركة ومسؤولية الاحتلال المباشرة عن تحويل المساعدات الإنسانية إلى وسيلة للقتل الجماعي المنظم.












