عيد الأضحى في سوريا: الأسواق تقاوم الركود والفقر يغيّر ملامح الطقوس التقليدية

28 مايو 2026آخر تحديث :
عيد الأضحى في سوريا: الأسواق تقاوم الركود والفقر يغيّر ملامح الطقوس التقليدية

تستعيد العاصمة السورية دمشق ملامحها الاحتفالية مع حلول عيد الأضحى المبارك، حيث تشهد الأسواق التاريخية مثل الحميدية والبزورية حركة نشطة للمواطنين. ورغم هذا الازدحام الظاهري، تواجه المتاجر واقعاً اقتصادياً معقداً يلقي بظلاله على قدرة الناس الشرائية ونوعية البضائع المعروضة في الواجهات القديمة.

أفادت مصادر تجارية في سوق الزبلطاني بأن المشهد الحيوي يواجه تحديات كبيرة تتعلق بفرض ضرائب ورسوم مرتفعة على السلع المستوردة والمواد الأولية. هذه الإجراءات الضريبية الجديدة، تزامناً مع تذبذب سعر صرف العملات المحلية، أدت إلى حالة من الركود في الأسواق مقارنة بالسنوات الماضية التي شهدت انفتاحاً تجارياً أكبر.

تأثرت صناعة الحلويات الدمشقية الشهيرة بشكل مباشر بارتفاع تكاليف الإنتاج، مما دفع المصنعين إلى تغيير الوصفات التقليدية لتقليل الأسعار. وبات الاعتماد على الفستق السوداني والسمن النباتي بديلاً عن الفستق الحلبي والسمن البلدي، في محاولة لمواكبة الدخل المتراجع للمواطن السوري الذي يغرق في الالتزامات اليومية.

في أسواق دمشق، تراجعت مبيعات الأصناف الفاخرة مثل المعمول والبقلاوة والبرازق، حيث أصبحت هذه الحلويات حكراً على طبقة محدودة جداً من المجتمع. ويشير تجار ‘أهل الكار’ إلى أن حركة البيع انخفضت بشكل ملحوظ، حتى في الأصناف التقليدية البسيطة مثل النوجا والحلقوم والملبس.

في محافظة القنيطرة، تبدو أجواء العيد أكثر تقشفاً، حيث تقتصر التحضيرات المنزلية على التنظيف وترتيب غرف الضيوف دون مظاهر احتفالية واسعة. وأكدت مصادر محلية أن أعداد الحجاج كانت محدودة جداً هذا العام، بينما سجلت أسعار الأضاحي أرقاماً قياسية جعلت الوصول إليها مستحيلاً لغالبية العائلات.

يعاني المزارعون في المناطق القريبة من خطوط التماس من قيود يفرضها جيش الاحتلال الإسرائيلي، مما أثر على مصادر رزقهم الأساسية وزاد من حدة الأزمة المعيشية. هذه الظروف دفعت الأهالي للاكتفاء بصنف واحد من الحلويات المنزلية، وغالباً ما يكون ‘معمول التمر’ الذي يعد الأقل كلفة بين الخيارات المتاحة.

تبرز الحوالات المالية القادمة من السوريين في المغترب كشريان حياة أساسي يحرك الأسواق المحلية خلال موسم العيد. وبدون هذه المساعدات الخارجية، تؤكد العائلات أنها لن تكون قادرة حتى على تأمين نفقات الطعام الأساسية، فضلاً عن شراء ملابس جديدة للأطفال أو مستلزمات الضيافة.

المعمول المحشو بالفستق الحلبي الذي كان يدخل كل البيوت الشامية، بات اليوم مقتصرًا على نخبة محدودة نتيجة ارتفاع تكلفته.
في مناطق شمال وشرق سوريا، وتحديداً في القامشلي، يحاول السكان التمسك بالرموز الدينية والاجتماعية للعيد رغم ضغوط الفواتير المتراكمة. ويخرج الأطفال لطلب العيديات في الشوارع، بينما تقتصر الزيارات العائلية على تبادل التهاني البسيطة في ظل غياب الموائد العامرة التي كانت تميز المنطقة سابقاً.

وصل سعر الأضحية في الحسكة وريفها إلى نحو 400 دولار أمريكي، وهو مبلغ يتجاوز القدرة المالية لمعظم الموظفين والعمال. هذا الارتفاع الجنوني دفع الناس للاستعاضة عن اللحوم والحلويات الفاخرة بشراء كميات محدودة من السكاكر البسيطة التي ارتفعت أسعارها هي الأخرى بشكل غير مسبوق.

في ريف حلب، وتحديداً مدينة عفرين، تصف الشابات السوريات شراء ملابس العيد بأنه فعل ‘رمزي’ لإحياء الأجواء لا أكثر. ويسود شعور عام بالاستغلال نتيجة الارتفاع غير المبرر في الأسعار، حيث لم يعد هناك فرق واضح بين تكلفة الاحتياجات الأساسية والكماليات في ظل غياب الرقابة التموينية.

أما في محافظة اللاذقية، فتحاول ربات البيوت الحفاظ على ‘لمة العائلة’ كجزء من الهوية الاجتماعية التي لم تكسرها الحرب أو الغربة. وتلجأ النساء إلى إعداد الحلويات في المنزل كبديل عن الجاهز، مع اختصار زينة البيت والاكتفاء بتزيين مائدة الضيافة بما يتناسب مع الميزانية المحدودة.

تزداد الصورة قتامة في مخيمات النزوح بريف إدلب، حيث يغيب العيد تماماً عن خيام النازحين الذين يفتقدون لأدنى مقومات الاحتفال. في مخيم قاح، لا توجد استعدادات للأضاحي أو الملابس الجديدة، ويستقبل السكان العيد بملابس العام الماضي وسط عزلة اجتماعية فرضها النزوح المتكرر.

يؤكد النازحون في المخيمات أن الأوضاع الاقتصادية الحالية هي الأصعب منذ سنوات، حيث تلاشت القدرة على شراء حتى الأصناف الرخيصة من الحلويات. وتقتصر شعائر العيد لديهم على أداء الصلاة وزيارة المقابر، في مشهد يختصر حجم المأساة التي يعيشها المهجرون بعيداً عن ديارهم وأقاربهم.

بين دمشق واللاذقية وإدلب، يبقى القاسم المشترك في هذا العيد هو الصمود الاجتماعي في وجه الانهيار الاقتصادي. ورغم كل التحديات، يحاول السوريون انتزاع لحظات من الفرح، معتمدين على التكافل الاجتماعي والحوالات الخارجية لتجاوز واحدة من أصعب الأزمات المعيشية في تاريخ البلاد الحديث.