يمر حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمرحلة حرجة قد تعصف بكيانه الذي استمر لستة وسبعين عاماً، وذلك في أعقاب تصاعد الخلافات الحادة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقادة الأوروبيين. وتأتي هذه الأزمة على خلفية رفض الدول الأوروبية الانخراط عسكرياً في تأمين مضيق هرمز، وهو الطلب الذي أصرت عليه واشنطن عقب اندلاع المواجهات الجوية مع إيران في أواخر فبراير الماضي.
وأعرب الرئيس ترامب عن استيائه الشديد من موقف الحلفاء، ملوحاً بإمكانية فك الارتباط الرسمي مع الحلف الذي يراه عبئاً على الولايات المتحدة في حال عدم استجابة أعضائه للمصالح الحيوية الأمريكية. وتساءل ترامب في خطاب ألقاه مؤخراً عن جدوى التحالف إذا كان الشركاء يمتنعون عن تقديم الدعم في اللحظات الحاسمة، خاصة في منطقة استراتيجية كمضيق هرمز.
ويرى محللون ودبلوماسيون أن الحرب الحالية ضد إيران، رغم بعدها الجغرافي عن القارة الأوروبية، أصبحت الاختبار الحقيقي الذي قد يؤدي إلى تفكك النسيج الأمني العابر للأطلسي. فالتصريحات الأمريكية الأخيرة أثارت مخاوف غير مسبوقة لدى العواصم الأوروبية من احتمال تخلي واشنطن عن التزامات الدفاع المشترك في حال تعرض القارة لأي هجوم خارجي.
وفي محاولة لتوصيف خطورة الموقف، أكد ماكس بيرغمان، المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية أن الحلف يعيش حالياً أسوأ أيامه منذ التأسيس، مشيراً إلى أن الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية بدأت تتآكل بشكل متسارع. ولم يعد اتفاق الدفاع المشترك، الذي يمثل قلب الحلف النابض، أمراً مسلماً به في ظل التقلبات السياسية الراهنة في البيت الأبيض.
من جانبهم، بدأ القادة العسكريون في أوروبا، ومن بينهم الجنرال الفرنسي السابق فرانسوا ليكوانتر، في الدعوة إلى ضرورة تصور مستقبل أمني للقارة بعيداً عن الاعتماد الكلي على القدرات الأمريكية. ورغم اعترافهم بأن الناتو لا يزال ضرورياً، إلا أن الواقع الجديد يفرض على الأوروبيين بناء قدرات دفاعية ذاتية لمواجهة التهديدات المتزايدة.
وفي المقابل، نقلت مصادر عن المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، تأكيدها بأن الرئيس ترامب لن ينسى خيبة الأمل التي تسبب بها الحلفاء، مشددة على أن الولايات المتحدة تتوقع مساهمة فعلية لا تقتصر على الشعارات. وتعكس هذه التصريحات فجوة عميقة في الرؤى الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي حول مفهوم المسؤولية المشتركة.
وتشير التقارير إلى أن التوتر لم يقتصر على التصريحات العلنية، بل امتد إلى كواليس الاجتماعات الدبلوماسية، حيث شهد اجتماع مجموعة السبع الأخير مشادة حادة بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ومسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس. وتركز الخلاف حول إدارة ملف الحرب في أوكرانيا وكيفية التعامل مع النفوذ الروسي المتصاعد.
ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو كنتم مكاني؟ إن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون طريقاً ذا اتجاه واحد.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن واشنطن تتبنى مواقف متناقضة، حيث تطالبهم بالدعم العسكري في الشرق الأوسط بينما تلتزم الصمت حيال تقارير تفيد بتعاون استخباراتي روسي مع إيران لمهاجمة مصالح أمريكية. هذا التضارب في المصالح أدى إلى زيادة الشكوك الأوروبية حول جدية الالتزام الأمريكي بأمن القارة العجوز.
وعلى الصعيد القانوني، يواجه ترامب عقبات تحول دون انسحابه المنفرد من الحلف، إذ يتطلب ذلك موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ وفقاً لقانون أُقر في عام 2023. ومع ذلك، يحذر الخبراء من أن الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة يمتلك القدرة الفعلية على تعطيل تفعيل المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك.
وفي إطار الجهود الدبلوماسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يستعد الأمين العام للحلف مارك روته للتوجه إلى واشنطن الأسبوع المقبل في مهمة وصفت بالصعبة. ويهدف روته، الذي يتمتع بعلاقة جيدة مع ترامب، إلى إقناع الإدارة الأمريكية بأن الحلف لا يزال يمثل ركيزة أساسية للأمن القومي الأمريكي رغم الخلافات الراهنة.
وتبرز أهمية الدور الأمريكي في الحلف من خلال توفير قدرات تقنية واستخباراتية هائلة، مثل الأقمار الصناعية وأنظمة الإنذار المبكر، التي يصعب على الدول الأوروبية تعويضها في المدى القريب. وهذا الاعتماد التقني هو ما يجعل فكرة الانفصال الكامل بين الطرفين عملية معقدة ومحفوفة بالمخاطر الأمنية الجسيمة.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية ليست مجرد نوبة غضب عابرة كما حدث في ولاية ترامب الأولى، بل هي تحول جذري في العقيدة السياسية الأمريكية تجاه التحالفات الدولية. فالتركيز الأمريكي بات ينصب بشكل أكبر على مواجهة التهديدات المباشرة في الشرق الأوسط وآسيا، بعيداً عن الالتزامات التقليدية في أوروبا.
وفي ظل هذه التطورات، بدأت بعض الدول الأوروبية بالفعل في زيادة ميزانياتها الدفاعية في محاولة لاسترضاء واشنطن وإظهار جديتها في تحمل الأعباء. إلا أن هذه الخطوات قد لا تكون كافية لإقناع ترامب الذي يرى أن النظام العالمي القديم القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يعد يخدم المصالح الأمريكية.
ختاماً، يبدو أن حلف شمال الأطلسي قد طوى صفحة ثمانية عقود من العمل المشترك المستقر، ليدخل مرحلة من الغموض وعدم اليقين. وسواء بقي الحلف قائماً بشكل رسمي أو تآكل من الداخل، فإن العلاقة عبر الأطلسي لن تعود أبداً إلى سابق عهدها، مما يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية عالمية جديدة.












