تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات عسكرية أمريكية مكثفة تعكس استعدادات واسعة النطاق لمواجهة محتملة طويلة الأمد، وذلك رغم الوعود السياسية الصادرة عن البيت الأبيض بشأن قرب التوصل إلى تسوية لإنهاء النزاع. وقد كشفت تقارير ميدانية عن وصول تعزيزات جوية ضخمة تهدف إلى إحكام السيطرة على المواقع الاستراتيجية وممرات الطاقة العالمية.
أفادت مصادر بأن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قررت مضاعفة أعداد الطائرات الهجومية من طراز A-10 المتمركزة في المنطقة، حيث سيتم إرسال ثمانية عشر طائرة إضافية لتعزيز القوة الجوية الموجودة حالياً. وتأتي هذه الخطوة لترفع إجمالي عدد هذا الطراز من الطائرات إلى ثلاثين طائرة مخصصة للعمليات القتالية المباشرة.
تظهر هذه التحركات العسكرية واقعاً مغايراً تماماً للتصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أعرب فيها عن رغبته في إنهاء الحرب خلال أسابيع قليلة. ويبدو أن الاستراتيجية الميدانية للجيش الأمريكي تسير في اتجاه تثبيت الوجود العسكري وتوسيع نطاق العمليات حول ممرات الطاقة الحيوية في الخليج العربي.
تُعرف طائرات A-10 باسم ‘وارثوغ’، وهي طائرات هجومية متخصصة في تقديم الدعم الأرضي القريب للقوات المقاتلة على الجبهات. ورغم أنها تعتبر بطيئة نسبياً مقارنة بالمقاتلات الحديثة، إلا أنها تمتلك قدرات تدميرية هائلة بفضل مدفعها الثقيل القادر على إطلاق عشرات القذائف في الدقيقة الواحدة.
تتميز هذه الطائرات بقدرتها العالية على التحليق على ارتفاعات منخفضة، مما يسمح لها بالبقاء فوق الأهداف لفترات زمنية طويلة وتنفيذ ضربات دقيقة. وتستخدم القوات الأمريكية هذه الميزة لتنفيذ هجمات مركزة سواء على الأهداف البرية أو القطع البحرية التي تتحرك في المياه الإقليمية الحساسة.
أكدت مصادر عسكرية أن طائرات A-10 قد انخرطت بالفعل في عمليات قتالية فعلية، حيث استهدفت سفناً إيرانية وقوات موالية لطهران في الأراضي العراقية. وتشير التوقعات إلى أن الدور القادم لهذه الطائرات سيشمل دعم القوات البرية في محاولات السيطرة على نقاط استراتيجية كبرى.
تضع القيادة العسكرية الأمريكية مضيق هرمز وجزيرة خارك على رأس أولويات عملياتها الحالية، حيث تعتبر الجزيرة المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية. ويهدف الانتشار المكثف للطيران الهجومي إلى شل حركة الإمدادات وضمان التفوق الميداني في هذه المناطق الحيوية للاقتصاد العالمي.
طائرات A-10 تبحث عن السفن السريعة وتدمرها في مضيق هرمز الذي بات مركزاً رئيساً للقتال.
يرى خبراء عسكريون أن قرار نشر طائرات A-10 في هذا التوقيت يحمل دلالات فنية هامة تتعلق بقدرات الدفاع الجوي للخصم. فمن الناحية التكتيكية، لا يتم الدفع بهذه الطائرات إلا في بيئات جوية يُعتقد أن منظومات الدفاع الجوي فيها قد تعرضت لأضرار جسيمة أو تم تعطيلها جزئياً.
في تصريح يعكس طبيعة المهام الحالية، أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أن هذه الطائرات تقوم بمهام البحث والتدمير ضد السفن السريعة. وأشار كين إلى أن مضيق هرمز تحول إلى ساحة اشتباك رئيسية تتطلب وجود هذا النوع من السلاح القادر على التعامل مع الأهداف البحرية الصغيرة والسريعة.
بالرغم من قدم تصميم طائرة A-10 الذي يعود إلى حقبة السبعينيات، إلا أنها لا تزال تمثل ركيزة أساسية في الترسانة الأمريكية الموجهة للشرق الأوسط. وقد فشلت محاولات سابقة لإخراجها من الخدمة بسبب كفاءتها العالية التي أثبتتها في الحروب السابقة ضد التنظيمات المسلحة في المنطقة.
تعكس الفجوة بين الخطاب السياسي في واشنطن والتحركات العسكرية في الميدان حالة من التعقيد في إدارة الصراع الحالي. فبينما يتحدث السياسيون عن الانسحاب وإنهاء القتال، تواصل غرف العمليات العسكرية إرسال أحدث التجهيزات والتعزيزات لضمان البقاء الطويل والسيطرة المطلقة.
تستمر الولايات المتحدة في تعزيز قدراتها العسكرية في أكثر المناطق حساسية، مما يشير إلى أن الصراع قد يتخذ أبعاداً أوسع في المرحلة المقبلة. وتراقب القوى الإقليمية هذا التصعيد بحذر، خاصة مع اقتراب القوات الأمريكية من مراكز تصدير النفط والغاز الرئيسية في المنطقة.
إن الاعتماد على طائرات ‘وارثوغ’ في هذه المرحلة يشير إلى نية واضحة لتنفيذ عمليات تطهير واسعة للممرات المائية من أي تهديدات محتملة. وتعمل هذه الطائرات كغطاء جوي دائم للقوات البحرية والبرية التي تحاول تثبيت نقاط ارتكاز جديدة في عمق المناطق الاستراتيجية.
ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الإدارة الأمريكية على التوفيق بين وعودها الانتخابية بإنهاء الحروب وبين متطلبات المؤسسة العسكرية التي تواصل التصعيد. ويبدو أن الميدان في الشرق الأوسط لا يزال بعيداً عن التهدئة في ظل تدفق التعزيزات الجوية المستمر.













